العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

غياب الحكمة في المشهد السوداني

بقلم: د. نبيل العسومي

السبت ١٥ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

عندما تظاهر الشعب السوداني في حراك سلمي قبل حوالي ستة أشهر ضد ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وتردي الأوضاع الاقتصادية لدى الناس، وكذلك ضد سياسات النظام التي انتهجها على مدار ثلاثة عقود، كان الجميع مع هذا الحراك السلمي لأن مطالب الناس كانت شرعية ومن حق الشعب السوداني أن يعيش حياة أفضل.

وبفضل هذا الحراك السلمي تحقق للشعب السوداني ما كان يطمح إليه وهو إسقاط النظام؛ إذ كان الشعار الرئيسي للحراك السوداني «يسقط بس»، وقد ردده المتظاهرون على مدار أشهر حتى سقط رغم المحاولات المستميتة من جانب نظام البشير لاحتواء الموقف والسيطرة على الوضع لكن كانت إرادة الشعب السوداني أقوى.

ونتيجة لسقوط نظام البشير اعتقدنا كما اعتقد غيرنا من متابعي الحراك في هذا البلد العربي الإفريقي الشقيق أن السودان دخل مرحلة جديدة هي مرحلة بناء السودان الجديد الذي ينتظره كل السودانيين وناضلوا وكافحوا من أجله؛ سودان المستقبل.. سودان الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية والتوزيع العادلة للثروة.

لكن للأسف الشديد أثبتت الأحداث حتى الآن، وخاصة الأخيرة، غياب الحكمة في المشهد السوداني الجديد، وعكس ما كنا نتوقع دخل السودان مرحلة أخرى ليس من أجل إعادة البناء وإنما مرحلة جديدة من الصراع على السلطة على حساب الشعب السوداني الشقيق وتضحياته بين المجلس العسكري الذي يديره الجيش وقوى الحرية والتغيير وهي إحدى قوى الحراك ضد نظام البشير.

حقيقةً خلال المفاوضات بين الجانبين تجاهلت قوى الحرية والتغيير حقيقة مهمة بقصد أو من دون قصد هي أن هذا الحراك الشعبي السلمي ما كان له أن يتحقق لولا وقوف الجيش السوداني مع هذا الحراك وانحيازه إلى الشعب، وهو موقف عجَّل بسقوط نظام البشير، ولولا الجيش أيضا لدخلت البلاد في فوضى واضطرابات وخلافات أمنية وسياسية، فقد كان الجيش السوداني في مستوى المسؤولية وحمى البلاد من الانزلاق؛ فقد كان صمام الأمان وحافظ على استقرار البلاد وأمنها، فكانت قوى الحرية والتغيير في عجلة من أمرها تريد السيطرة على السلطة بأي شكل من الأشكال لفرض إرادتها على الجميع بمن فيهم الجيش رغم إعلان المجلس العسكري أنه باقٍ في السلطة فترة محددة إلى حين يتم تشكيل حكومة توافقية تراعي مصالح مختلف مكونات المجتمع السوداني لإدارة البلاد ليعود الجيش إلى ثكناته لممارسة مهماته الأساسية وهي حفظ الأمن والاستقرار الداخلي والدفاع عن التراب السوداني.

الأمر الثاني أن السودان بلد كبير مساحته شاسعة، وهو بلد متعدد الأعراق والقوميات، ولذلك فإن أي حوار يجب أن يأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار حتى تكون السلطة ممثلة لجميع مكونات المجتمع السوداني لتجنب الخلافات الصراعات والمصادمات التي قد تصل إلى حرب أهلية لا قدَّر الله، ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: هل قوى الحرية والتغيير التي تصر على مطالبها تمثل كل مكونات المجتمع السوداني؟ أم أنها تريد الانفراد بالسلطة على حساب المكونات الأخرى؟

ما حدث بالنسبة إلى فض الاعتصام بمثل تلك الصورة المأساوية وبالقوة المفرطة غير المبررة جريمة في حق الشعب السوداني المسالم، وهو أمر مرفوض جملة وتفصيلا، وهو أمر شنيع لا يجب السكوت عليه ويجب إجراء تحقيق فيما حدث لتحديد المسؤولين عن هذه الجريمة الوحشية التي أودت بحياة العشرات من المواطنين المسالمين وتقديمهم إلى العدالة، في المقابل فإن المبالغة في المطالب والإصرار عليها أيضا أمر مرفوض؛ فالسياسة هي فن الممكن، وبناءً عليه فإن المطلوب من الجميع وضع مصلحة السودان العليا فوق كل اعتبار والعودة إلى طاولة الحوار وإشراك جميع مكونات المجتمع السوداني فيه ليكون شاملا وممثلا لكل الأطياف حول الطاولة المستديرة للدخول في حوار سياسي هادئ والوصول إلى حلول وسطى تراعي مصالح الجميع بعيدا عن المزايدات والمبالغات، أما اللجوء إلى العصيان المدني والسياسي فليس هو الحل الأمثل وخصوصا في بلد مثل السودان الذي يعاني من أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة.

يجب استخلاص الدروس مما حدث في دول الجوار التي عمتها الفوضى بعد سقوط أنظمتها المستقرة لتجاوز هذه الفترة العصيبة ولتحقيق أهداف الحراك الشعبي وتحقيق تطلعات الشعب السوداني إلى مستقبل مشرق أفضل حتى لا تدخل البلاد في دوامة الفوضى ويخسر الشعب السوداني حراكه ويترحم الناس على نظام البشير رغم قساوته كما يحصل الآن في بعض البلدان العربية التي سقطت أنظمتها ودخلت في صراعات لا أول لها ولا آخر. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news