العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٠ - الخميس ١٤ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤١هـ

الاسلامي

تأملات إيمانية في آيات القرآن الكريم.. النظام الهيدرولوجي للأرض في القرآن الكريم

الجمعة ١٤ يونيو ٢٠١٩ - 10:48

بقلم: د. محمد عطا مدني

تحدث القرآن الكريم في آياته المحكمات عن أربعة أنظمة رئيسية وهى: النظام المائي (Hydrologic System)، والنظام التكتوني الحركي (Tectonic System)، والنظام الجوي (Atmospheric System) والنظام الحيوي (Biosphere System)، وهى التي تشكل الأنظمة الديناميكية لكوكب الأرض (Dynamic Systems). 

ولنبدأ في الحديث عن النظام الهيدرولوجي، ونعني به النظام المائي لكوكب الأرض، ويتمثل النظام المائي في دورة المياه خلال الغلاف الجوي، مرورا بالبحار والمحيطات، والأنهار والبحيرات العذبة والمالحة، والمناطق الجليدية ذات المياه المتجمدة، والمياه الجوفية. وتلعب الشمس دورا مهما كمصدر للطاقة المحركة لهذا النظام، كما ترتبط حركة وانسيابية المياه وكذلك سقوط المطر، ارتباطا وثيقا بقوى جاذبية الأرض، فعندما يتساقط المطر على سطح الأرض نظرًا إلى قوى الجاذبية، تتسرب المياه إلى جوف الأرض، وبفعل الجاذبية أيضا تتدفق المياه خلال الأنهار والأودية والقنوات، وتقوم بحمل الترسبات الطينية والصخرية من المناطق المرتفعة إلى الأماكن المنخفضة، فتتشكل الدلتاوات والأودية الخصبة وكذلك الأودية الصخرية. كما أن السحب تظهر في بعض المناطق في صورة دوامات ((Swirling Patterns، تحتوى على كميات هائلة من الطاقة، وبعضها يظهر في صورة أعاصير تكون مصحوبة بأمطار غزيرة ورعد وبرق، ويقدر العلماء الطاقة الناشئة عن إعصار واحد بما مقداره 100 بليون كيلووات ساعة يوميا، وهى طاقة تزيد على إجمالي الطاقة المستخدمة على مستوى العالم في اليوم الواحد.

وكما أن الشمس مهمة للنظام المائي الأرضي، نجد عامل آخر في غاية الأهمية وهو الرياح وحركتها ودورها المهم في تحريك السحب، وفي المساعدة على الإسراع في عمليات التبخر نتيجة تحريكها لبخار الماء المتراكم على سطح الأرض فينشأ تبخر متجدد باستمرار.

وترجع نشأة الماء على الأرض - كجزء من الكون الواسع- إلى عمليات ولادة النجوم، والتي يترافق حدوثها بنشوء رياح تندفع خارج النجم بقوّة حاملةً معها الغاز والغبار، وعندما يصطدم ذلك الدفق من المواد بالغاز المحيط بالجرم المولود، يؤدّي ذلك إلى نشوء أمواج صادمة، ما يعمل على تسخين الغاز، فيتكثف ويتشكل الماء في الكون بهذه الطريقة. وقد ظهر في عام 2011 تقرير علمي يوضح وجود سحابة هائلة من بخار الماء في محيط نجم  يبعد حوالي 12 مليار سنة ضوئيّة عن الأرض، وبكميات تفوق كمّيّة الماء الموجودة على الأرض بحوالي 140 تريليون مرّة، وقد استنتج العلماء من هذه الاكتشافات، أنّ الماء موجود في الكون منذ بداية نشأته.

كما أثبتت أبحاث الفضاء والرحلات الفضائية، وجود كميات قليلة من الماء في الأغلفة الجوية للقمر، والمريخ والمشترى وزحل وأورانوس ونبتون، كما توجد كميات من الماء المتجمد على أسطح عطارد والمريخ وزحل.

وتعتبر الأنهار أهم موارد المياه العذبة على كوكب الأرض، حيث نشأت الحضارات الكبرى على ضفافها، وأدى استقرار الإنسان حولها إلى حدوث تطورات كبيرة في الحياة البشرية، ولهذا نجد أن آيات القرآن الكريم قد احتفلت بهذا المورد المهم لحياة الإنسان فورد لفظ (الأنهار) بمشتقات ومعان متعددة حوالي سبع وأربعين مرة، ومعظمها ورد مقرونا بجنات النعيم، أو بجنات عدن، وتوضح الآيات الكريمات ديناميكية حركة الأنهار بجريها المتواصل من دون توقف، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ) (يونس 9). وفي قوله تعالى: (جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) (البينة 8).

وفي الآية الثانية والثلاثين من سورة إبراهيم يؤكد القرآن الكريم أن الأنهار في حالة حركة وديناميكية دائمة، وأن حركتها وجريانها بأمر الله سبحانه وتعالى. (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ). وتوضح الآية الواحدة والستين من سورة النمل صورة تفصيلية لجزء مهم من ديناميكية نظم الأنهار التي من الضروري أن تجرى في أماكن منخفضة، كما لا بد أن توجد جبال مرتفعة عند منابعها، حتى تسقط عليها الأمطار فتنساب إلى الأراضي المنخفضة مكونة أنهارا، وأشارت الآية الكريمة إلى وجود ظاهرة متعلقة بمياه الأنهار، وهى وجود البرازخ أو الفواصل بين مياه الأنهار إذا اختلفت في تراكيب جزيئاتها، أو في درجات كثافة مياهها، وذلك في قوله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النمل 61).

ومن الأشياء التي أوضحتها آيات القرآن الكريم، الطرق المختلفة لتشكل الأنهار نتيجة تساقط الأمطار ثم جريانها في صورة سيول في بطون الأودية كما في قوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) (الرعد 17).

وتتحدث الآية الرابعة والسبعون من سورة البقرة عن حركات ديناميكية للمياه، نتبين منها أن المياه الجارية في الأنهار، قد تكون أحيانا باطنية أو جوفية المصدر، إذ تتدفق وتتفجر من الحجارة الصماء، أو الحجارة المتشققة، ومنها ما يسبب حدوث فوالق أو تشقق في الصخور، تهبط الأنهار الجوفية على أثره إلى مستويات أكثر انخفاضا في باطن الأرض، كما جاء في قوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أو أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة 74).

كما أشار القرآن الكريم إلى أن هذه المياه الجوفية قد تكونت من مياه الأمطار المتساقطة، ثم أسلكتها القدرة الإلهية ينابيع في الأرض: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ) (الزمر21)، وأوضحت الآيات الكريمات أن هذه المياه تتجمع في أماكن معينة: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) (المؤمنون 18-19).

فقد نزل هذا الماء من السماء بقدر إلهى، وأن مكامن الماء هذه مقدرة من المولى جل وعلا، الذي جعلها قريبة من متناول الإنسان، لأنها لو غارت في الأرض لما استطاع الإنسان الاستفادة منها، ولما استطاع سكان المدن الموجودون في ارتفاعات عالية الحصول عليها مهما حفروا في الأرض، لهذا فحركة هذه المياه وديناميكيتها محفوظة بقدر الله سبحانه وتعالى: ففي سورة الملك قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) (30)، وفي سورة يس: (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) (33- 35).

وقد أثبتت أبحاث علماء الجيولوجيا أن دلتا النيل في مصر كانت في العصور القديمة مكونة من مجموعة من الأفرع النهرية وذلك قبل أن تتغير ديناميكية جريان النهر وتتكون الدلتا، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه المعلومة في سورة الزخرف: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (51)

كما أشار القرآن الكريم إلى صورة أخرى من صور أنظمة المياه، وهى الأنهار الجليدية كما جاء في سورة النور: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ) (43)، وقد أوجز القرآن الكريم الحديث عن المياه المتجمدة ولم يتوسع في ذكرها كثيرا كما توسع في ذكر الأنهار، وهذا يرجع إلى محدودية وجودها في القطبين، أو على قمم الجبال العالية وفي أماكن غير مأهولة بالسكان بشكل عام. وفي الآية الكريمة إشارة إلى حركة الرياح التي دفعت السحب أمامها، وإلى دورها في تكوين السحب الركامية التي تشبه الجبال، ثم تجميع (البرد) ليكون الكتل الجليدية التي قد تصل إلى الأرض وتذوب مكونة أنهارا. سبحانه وتعالى تسامت قدرته، وعظم تدبيره، وتجلت صنعته.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news