العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٩٥ - الاثنين ٢٢ يوليو ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (81)

الجمعة ١٤ يونيو ٢٠١٩ - 10:48

بقلم د. غريب جمعة

ما السنة؟

ما زلنا في رحاب الحديث عن السنة، فقد تحدثنا في حلقة سابقة عن فعله وتقريره صلى الله عليه وسلم وفي هذه الحلقة نتحدث عن تركه صلى الله عليه وسلم ليكتمل الحديث عنها.

* تركه صلى الله عليه وسلم (أي ما ترك فعله)

يقول الإمام وكذلك يفصل القول في تركه لبعض الأشياء.

(1) ما يتركه من أجل كراهته له جبلة (طبيعة وخلقة) كما امتنع عن أكل الضب ولما قال له خالد بن الوليد: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» وليس تركه صلى الله عليه وسلم للشيء على هذا الوجه من مواضع التأسي والدليل أن خالد رضي الله عنه سمع هذا الجواب وما لبث أن جرَّ إليه الضب وأكله.

(2) ما يتركه لتحريم يختص به كتركه أكل الثوم وما شاكله من كل ذي رائحة كريهة. فلغيره من المسلمين تناوله ولا يكون خارجًا عن حدود قوله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [الأحزاب/21].

(3) فإن لم يكن تركه صلى الله عليه وسلم من ناحية الجبلة ولم يثبت أنه كان لمنع يختص به فإن علم حكم هذا الترك في حقه من حرمة أو كراهة كانت الحرمة أو الكراهة شاملة لأمته بحجة أن الأصل عدم الخصوصية له.

وإن ترك أمرًا ولم يعلم حكم هذا الترك دل على عدم الإذن في الفعل وأقل مراتب عدم الإذن الكراهة فيحمل عليها حتى يقوم الدليل على ما فوقها وهو التحريم.

(4) وإذا ترك الأمر لمانع من الفعل يصرح به أو يفهمه المجتهد بطريق الاستنباط، ثم يزول هذا المانع فإنه يصح النظر في أمر المتروك ويجري حكمه على ما تقتضيه أصول الشريعة كما ترك صلى الله عليه وسلم صلاة القيام في رمضان جماعة وذكر أن المانع من استمراره عليها: خوف افتراضها عليهم. ولما انقطع الوحي بانتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ارتفع المانع من صلاة التراويح جماعة، وهو خوف الافتراض فلم يبق في تركها موضع للتأسي ولذلك رجع بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الأصل الذي هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم لها في جماعة.

ومن هذا الباب: تركه لقتل حاطب بن أبي بلتعة حين اطلع الرسول صلى الله عليه وسلم على كتاب له أرسله إلى قريش يخبرهم فيه ببعض أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وقال ردًا على عمر بن الخطاب إذ قال له: دعني أضرب عنق هذا المنافق. إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (صحيح البخاري).

ففي ظاهر الحديث تعليل عدم قتله بشهوده واقعة بدر فمن لم تتحقق فيه هذه المزية ممن يتجسسون على المسلمين ويبلغون أخبارهم للمحاربين يبقى أمره موكولاً لاجتهاد الإمام ليجازيه بما تقتضيه المصلحة ولو بالإعدام وهذا ما يقوله إمام دار الهجرة مالك بن أنس.

(5) وإذا ترك صلى الله عليه وسلم أمرًا لم يظهر في عهده ما يقتضي فعله ثم طرأ حال تجعل المصلحة في الفعل ارتفع طلب التأسي في الترك وأصبح ذلك الأمر مجالاً لنظر المجتهدين حتى يفصل له حكم على قدر المصلحة الداعية.

ومثال هذا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجمع القرآن في مصحف إذ لم يظهر في عهده ما يدعو إلى هذا الجمع. ولكن كثرة القتل في حروب أهل الردة من القراء أثارت الخوف على القرآن من الضياع ورأى الخليفة الأول صحة الجمع لهذا المقتضى الذي لم يكن في عهد الوحي قائمًا.

ولا يدخل في الترك الذي نتحدث عنه عدم فعله صلى الله عليه وسلم لأمور لم تكن وسائلها قد تهيأت ولا الفنون التي يتوقف عليها إنشاؤها قد ظهرت.

فلا يخطر على البال أن نمنع من وضع آلات تعرف بها الأوقات في المساجد ونستند في هذا المنع إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا في مسجده الشريف.

وليس من الفقه أن نرد الخبر بثبوت شهر رمضان يأتي عن طريق البرق أو المسرة (الهاتف) بدعوى أن الأخذ به مخالف للسنة إذ لم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات الشهر إلا بشهادة يؤديها من في حضرته وإنما يعد هذا من قبيل المسكوت عنه فلأهل العلم أن يتناولوه بالاجتهاد بالأصل الذي يصح تطبيقه عليه.

(6) والترك الذي يدل على عدم الإذن هو ما يروي في لفظ صريح كتركه صلى الله عليه وسلم الأذان والإقامة ليوم العيد وتركه غسل شهداء أحد والصلاة عليهم.

ويلحق بهذا تركه الذي لم ينقل بلفظ صريح ولكنه يفهم من عدم نقلهم للفعل الذي شأنه أن تتوافر الدواعي على نقله لو وقع فيصح لنا أن نقول: من السنة ترك رفع الأصوات بالذكر أمام الجنازة ويكفي في الاستشهاد على أن السنة ترك هذا الرفع: عدم نقلهم لفعله وهو من الأمور التي لو فعلت لتوافرت الدواعي على نقلها.

وقد وردت أحاديث بأن الصحابة كانوا يتركون الأمر لمجرد ترك النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد أنه خلع نعله في صلاة فخلعوا نعالهم حتى أخبرهم بأنه علم من طريق الوحي أن بالنعل نجاسة. (رواه الإمام أحمد وأبو داود) ومن شواهده أنه صلى الله عليه وسلم كان قد اتخذ خاتمًا من الذهب فاتخذوا خواتيمهم من ذهب ثم نبذه وقال: «إني لن ألبسه أبدًا» فنبذوا خواتيمهم. (صحيح الإمام البخاري).

ومن عرف مسارعة الصحابة إلى الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى في ترك المكروه. لو تأمل هذا الحديث لوجد أنه لم ينص على أشد مراتب النهي وهو التحريم وإنما قال: «إني لن ألبسه أبدًا».

ولكن الصحابة سارعوا إلى نبذ خواتيمهم اقتداء به صلى الله عليه وسلم.

أما حرمة التختم بالذهب للرجال واستعماله فمأخوذة من الأحاديث الدالة على حرمة استعمال الذهب زينة للرجال.

والآن وقد تم الحديث عن السنة التي كان لا بد منه قبل الحديث عن البدعة لمعرفة الفرق بين السنة والبدعة. ننتقل إلى الحديث عن البدعة بإذنه تعالى.

(فإلى حلقة قادمة إن شاء الله) 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news