العدد : ١٥١٢٣ - الاثنين ١٩ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٣ - الاثنين ١٩ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

هل يخشى الغرب النفوذ الصيني؟

الجمعة ١٤ يونيو ٢٠١٩ - 10:20

بقلم: إريك روسيل

هذا هو السؤال المفصلي والجيواستراتيجي الذي ستظل تطرحه أنظمة الحكم ودوائر صنع القرارات والسياسات في الدول الغربية عامة، والأوروبية على وجه الخصوص على مدى الثلاثين سنة القادمة – على أقل تقدير. 

في سنة 2049 سيحتفل الصينيون بمرور مائة سنة على تولي الحزب الشيوعي الصيني مقاليد الحكم في البلاد. أعلن زعيم الحزب الشيوعي الصيني الذي يعتبر أيضا الرئيس الصيني مدى الحياة، أن الصين ستصبح بمرور تلك السنة القوة العظمى الأولى في العالم لتتقدم على كل الدول الغربية الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية. 

عندما يتخلص الشعب الصيني من العقبات التي تعوقه، والتي تشمل «التدخلات الأجنبية» والأيديولوجية الشمولية المتكلسة فإنه سينطلق بلا شك إلى القمة، خاصة أن عدد السكان يمثل ورقة ديمغرافية قوية من شأنها أن تمكن الصين من الصعود إلى القمة والبقاء فيها.

إضافة إلى ضخامة عدده يعرف الشعب الصيني أيضا بانضباطه في العمل وإنتاجيته العالية. 

يجدر بنا الآن أن نطرح السؤال التالي: ما الذي ستفعله الصين بقوتها إذا أصبحت القوة الأولى في العالم؟ 

يقول الصينيون إنهم لم يلعبوا في التاريخ دور المستعمر للدول والشعوب الأخرى كما أن الصين لم تتصرف على مدى تاريخها الحديث كقوة إمبريالية ما وراء البحار، على عكس الدول الغربية التي مارست الاستعمار ونهبت الشعوب. في عهد سلالة منغ كان الأميرال زهنج هي (1371-1433) يتزعم أسطولا ضخما يضم أكثر من 70 سفينة و300 ألف رجل وقد قام بحملتين كبيرتين قادته إلى منطقة الشرق الأوسط وشرق إفريقيا وإندونيسيا. 

لقد جعل ذلك الأميرال من الدبلوماسية والتجارة هدفه الأول غير أنه لم يحاول أبدا الاستيلاء على أي أراضٍ جديدة. عقب وفاته، عدلت الإمبراطورية عن القيام بأي مهمة بحرية سياسية حتى يتم التركيز بالدرجة الأولى على حماية الأراضي الصينية وإتمام أشغال بناء السور العظيم. 

خلال القرنين التاسع عشر والعشرين تكبدت الصين عدة هزائم مهينة ضد الجيوش البريطانية واليابانية. لذلك فإن الرئيس الصيني الحالي، الذي حققت بلاده في عهده «طفرة اقتصادية ضخمة، يريد أن يجعل من القرن الحادي والعشرين قرن الاعتراف بالقوة البحرية الصينية. تعكف سلطات بكين الآن على بناء قوة بحرية كبيرة في إطار خطة مستقبلية ترمي إلى مضاهاة القوة البحرية الأمريكية، وخاصة على مستوى القارة الآسيوية التي تمثل موضوعيا المجال الحيوي الصيني. 

يتوخى الرئيس الصيني سياسة رصينة وحذرة وهو لا يفكر في استخدام القوة العسكرية من أجل الاستيلاء على جزيرة فورموزا، التي حظي سكانها بتأييد قوي وكامل من الولايات المتحدة الأمريكية، التي تتوعد بالتصدي بقوة لأي محاولة للاستيلاء على الجزيرة. حققت الصين بقيادة رئيسها في الحقيقة انتصارا استراتيجيا إذا إنها بسطت سيطرتها على عدة جزر صغيرة، مثل «باراسيلز» و«سبارتلييز» في بحر الصين. 

رغم الوعود التي قدمها الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال زيارته للولايات المتحدة الأمريكية في شهر سبتمبر من سنة 2015 فقد عمدت سلطات بكين إلى عسكرة هذه الجزر التي سيطرت عليها ونصبت فوقها الصواريخ وأنشأت مدرجات لهبوط الطائرات الاستراتيجية القاذفة. تضاهي المنطقة البحرية التي سيطرت عليها الصين في بحر الصين مساحة البحر الأبيض المتوسط وهو ما أثار مخاوف بقية القوى البحرية الآسيوية. 

يذكر أن فرنسا قد باعت طائرات مقاتلة للهند وغواصات بحرية لأستراليا رغبة منها في التشجيع على قيام ائتلاف من الهند إلى المحيط الهادي في مواجهة القوة الصينية المتنامية. بلغة الاستراتيجية التجارية فقد أطلق الرئيس الصيني شي جينبينغ مشروع «طريق الحرير الضخم، الذي يسمى مبادرة «طرق الحرير الجديدة» الصينية، وذلك خلال المنتدى السابع للتعاون الصيني الإفريقي في بكين، وفق وزارة الخارجية الجزائرية.

وتمثل مبادرة «طرق الحرير الجديدة» الصينية التي أطلقها الرئيس شي جينبينغ عام 2013 مجموعة من مشاريع البنى التحتية الضخمة الرامية إلى تعزيز العلاقات التجارية بين بكين وقارات آسيا وأوروبا وإفريقيا.

ويعتبر المشروع الذي يطلق عليه كذلك في الصين اسم «حزام وطريق» حزامًا أرضيًّا يصل الصين بأوروبا الغربية عبر آسيا الوسطى وروسيا، وطريقًا بحريًّا يتيح لها الوصول إلى إفريقيا وأوروبا عبر بحر الصين والمحيط الهندي. 

تخطط الصين من خلال هذا المشروع الضخم والعابر للقارات إلى تأمين الطرق البرية والبحرية لتصدير المنتجات الصناعية الصينية إلى أوروبا واستيراد المواد الخام من إفريقيا والشرق الأوسط. 

هل يمكن أن نلوم الصين على هذه الخطط الاستراتيجية الطموحة؟ تريد الصين ألا تكون فقط مصنع العالم بل إنها تريد أيضا أن تتحول إلى مختبر حقيقي للعالم. في البداية، استفاد الصينيون كثيرا من الجامعات الأمريكية والأوروبية قبل أن ينشئوا الجامعات الخاصة بهم والتي أصبحت اليوم تنافس بقوة الجامعات الغربية في مختلف التخصصات، وخاصة علوم الفضاء، والاتصالات والذكاء الاصطناعي مع الغربيين. 

فيما يتعلق بتكنولوجيا 5 G فقد أصبحت الشركة الصينية العملاقة «هواوي» تتقدم على الشركات الغربية المنافسة لها. في مقال نشر في صحيفة لوفيجارو على هامش زيارته لفرنسا يوم26 مارس 2019 قال الرئيس شي جينبينغ لأن الصين وفرنسا دولتان عريقتان تاريخيا وهما حريصتان على الاستقلال والتبادل المشترك والحوار الثقافي.

شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال المحادثات التي أجراها مع نظيره الصيني على ضرورة تحقيق التوازن والمعاملة بالمثل في المبادلات التجارية بين البلدين. فهو يدرك أن الصينيين يحترمون لغة القوة، ما جعله يوجه الدعوة إلى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لحضور المفاوضات التجارية التي أجراها مع الرئيس الصيني. يبدو أن هذه الطريقة ستكون المتبعة في العلاقات بين الصين ودول الاتحاد الأوروبي. 

خلال الأعوام الماضية وجدت الصين التشجيع من الغربيين، وقد عمدت بكين إلى تقليد النماذج الصناعية والإبداعية وقد حققت في ذلك نجاحا كبيرا. هل يمكن اليوم أن نلوم الطالب إذا تفوق على معلمه؟ 

لقد حصل الغرب على الصين التي يستحقها. فكلما توطدت العلاقات ازدادت رسوخا مع الصين. إن الصين التي نراها اليوم ليست الصين التي قد تثير مخاوفنا. يجب أن نخاف من مواطن ضعفنا قبل أن نخشى القوة الصينية. مواطن ضعفنا السياسية (اهتزاز الاتحاد الأوروبي) وثغرات اجتماعية وتعليمية واقتصادية واستراتيجية أيضا.

 

لوفيجارو

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news