العدد : ١٥١٨٣ - الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٨٣ - الجمعة ١٨ أكتوبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ صفر ١٤٤١هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

في ثمار القلوب!

يقول تعالى عن حال أم نبي الله موسى (عليه السلام) عندما أوحى إليها بأن تضع وليدها في التابوت، ثم تلقيه في اليم لتنقذه من كيد فرعون وشره، قال تعالى: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ  وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) طه /39.

ويصف سبحانه وتعالى حال أم موسى بعد أن فعلت ما أمرها ربها، فقال تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) القصص/10.

هذا الوصف العجيب لحال أم موسى بعد أن ألقت بوليدها في اليم ثقة في موعود مولاها سبحانه وتعالى الذي وعدها بأن يعيده إليها سالما مكرمًا، بل سوف يرفع الله تعالى من شأنه فيكون وجيها في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهًا) الأحزاب/69.

إذن، أبناؤنا هم ثمرات قلوبنا، بل هم أشهى ثمار القلوب، عن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

هذا الحوار الذي جرى بين الله تعالى وملائكته، وكيف كان الله تعالى يتفقد حال عبده عندما نزل به هذا البلاء العظيم، وهو يعلم سبحانه من أحوال عباده ما لا يعلمه غيره سبحانه وكأنه جل جلاله بسؤاله ملائكته عن أحوال عبده المبتلى بفقد ولده، أراد من ذلك أن يُشهِد الملائكة والناس أجمعين على تكريمه لعبده المبتلى وماذا أعد له من جزاء يوم القيامة على صبره واحتسابه.

هذا المشهد العظيم الذي صوره لنا الحق سبحانه وأشهد عليه ملائكته، وجعله حديثًا قدسيا يردده المسلمون ليتركوا خطوات هذا العبد الصابر المحتسب الذي جعله الله تعالى وسيلة إيضاح لمن ينزل به مثل هذا البلاء.

هذا ما أخبر الله تعالى ملائكته به، وهم شهود على خلقه، طوافون عليهم، يسجلون في صحائفهم ما يأتون من أقوال وأفعال وطاعات ويدعون من معاصٍ حتى إذا جاءوا يوم القيامة قيل لكل واحد منهم: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)) الإسراء/14، فإذا قرأ كتابه ورأى ما فيه من سيئات كثيرة وحسنات قليلة قال في حسرة: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدا) الكهف/49.

إنها أعمال مسجلة على العبد في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، من أجل هذا فعلى العبد الساعي إلى مرضاة مولاه سبحانه أن يحرص على الإكثار من الحسنات وتقليل السيئات قدر المستطاع، وعليه ألا يستصغر الطاعة لصغرها، فقد تكون هي المقبولة عند الله تعالى، ألم يسبق درهم مائة ألف درهم كما حدثنا بذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟.

أما تعلم أن امرأة بغي سقت كلبًا كاد العطش أنه يقتله فغفر الله تعالى لها، وشكر لعبد مؤمن وجد شوكًا في الطريق فأزاحه حتى لا يتأذى الناس منه، وقد دخلت امرأة النار بسبب هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، هذا في البهائم العجماوات، فما بالكم حين يكون ذلك في البشر من إسداء الإحسان إليهم، وكف الأذى عنهم، وأعظم من هذا الصبر على فقد الأولاد واحتساب الأجر عند الله تعالى.

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news