العدد : ١٥٠٦٣ - الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٣ - الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

مؤشرات توتر العلاقات الأمريكية البريطانية في ضوء زيارة ترامب الأخيرة

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ١٣ يونيو ٢٠١٩ - 01:15

أنهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارته الثانية إلى المملكة المتحدة، والتي بدأها يوم 3 يونيو 2019. واستغرقت ثلاثة أيام بعد حوالي 11 شهرا على الزيارة الأولى التي أجراها في يوليو 2018. وتعد جزءا من جولة أوروبية يقوم بها وسط اضطراب العلاقات الأمريكية الأوروبية.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة كونها تأتي وسط عدد من الخلافات بين الطرفين، ووسط فوضى «بريكست» التي كانت آخر تداعياتها استقالة رئيسة الوزراء «تيريزا ماي»، من دون تحديد هوية من سيخلفها، فضلا عن أهمية الملفات التي طرحت بين الجانبين خلالها، كما أنها الزيارة السادسة والأربعين لرئيس أمريكي، والمرة رقم 113 التي تستضيف فيها ملكة بريطانيا زيارة دولة.

وكعادته، أثار «ترامب» مشاعر الغضب والاستهجان من تصرفاته «غير اللائقة» من خلال خرقه للبروتوكول، أثناء لقائه الملكة اليزابيث. وأظهر تسجيل مصور الرئيس ترامب وهو يضع يده اليسرى على كتف الملكة الأيمن من الوراء، بعد أن فرغ من كلمة مقتضبة قبيل العشاء الذي أعدته على شرفه، ولم يتوقف الأمر على ذلك، بل رفع الكأس معربا عن شكره لها «ليس فقط على كرم الضيافة، بل أيضا على الطقس الجميل» ما أثار ضحك الجميع. ولا تعد هذه المرة الأولى التي يخرق فيها ترامب البروتوكول خلال لقائه ملكة بريطانيا، فقد كسر الرئيس الأمريكي البروتوكول 3 مرات خلال لقائه معها في يوليو 2018.

وكغيره من الرؤساء الأمريكيين الذين زاروا بريطانيا، ركز ترامب على «العلاقة الخاصة» البريطانية الأمريكية التي واجهت اختبارات عديدة مؤخرا في عدد من الملفات، بما فيها إيران التي تدافع بريطانيا عن الاتفاق النووي المبرم معها، والبيئة. تلك العلاقات التي تبلورت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، إذ لطالما تعاونت لندن وواشنطن لتحقيق مصالحهما في القضايا الرئيسية، حتى إن الرئيس «ترامب» صرّح خلال هذه الزيارة بأن البلدين قد أقاما «أكبر تحالف عرفه العالم على الإطلاق».

ولكن رغم تصريح ترامب، فإن نهج العلاقات بين البلدين تغير تغيرًا ملحوظًا، نتيجة للسياسات الأمريكية التي تقدم مصالح «واشنطن» على كل اعتبار، أو بتعبير الرئيس الأمريكي «أمريكا أولا». وأوضح «إريك براتبرج» من مؤسسة «كارنيجي للسلام الدولي» أن «الإجراءات الأحادية التي اتخذتها إدارة ترامب؛ من توقيع عقوبات على إيران والتهديد بسحب القوات الأمريكية من سوريا والخروج من اتفاقية باريس للمناخ، أدت إلى تعميق الخلافات السياسية بين البلدين».

ووفقا لعديد من المحللين، فإن زيارة «ترامب» اتسمت بطبيعتها المثيرة للجدل، ما دفع الكثيرين إلى توقع الموت البطيء للعلاقة الخاصة بين البلدين. وأفادت مجلة «ذي إيكونوميست» باعتبارها «اختبارًا لمدى صمود هذه العلاقات في وجه التوترات الخطرة التي تشهدها»، ودعم أصحاب هذا التوجه رأيهم بعدة أسباب أهمها: 

أولا: تراجع شعبية الرئيس الأمريكي في بريطانيا، حيث يجد المواطنون وكذلك السياسيون البريطانيون، قُصورًا في كل من سلوكه، الذي يُعد مُشتتًا، وغير مدروس، وكذلك في تفضيلاته السياسية الضارة بالمصالح البريطانية. وفي هذا الصدد ذكر استطلاع رأى أجراه مركز «بيو للأبحاث»، بواشنطن خلال شهر أكتوبر 2018. إلى أن 72% من البريطانيين يفتقرون إلى الثقة في «ترامب»، مقابل 27% فقط، كما انخفضت نسبة الأشخاص الحاملين نظرة إيجابية تجاه الولايات المتحدة إلى50% والتي كانت 61% في الفترة الأخيرة من حكم أوباما، جراء ما ترتكبه إدارة ترامب من سياسات.

وذكرت صحيفة «الأوبزرفر» أنه «من الإنصاف القول إن معظم الشعب البريطاني قد دأب على تأييد التحالف الذي جمع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في فترة ما بعد عام 1945. ولكن ترامب فعل الكثير لزعزعة هذا الود التاريخي بين البلدين». 

ثانيا: رغبة بريطانيا في النأي بنفسها عن سياسات «ترامب» غير المستقرة، حيث أصبح يُنظر إلى السياسات الأمريكية على أنها مُتقلبة وخطرة، وتخدم مصالحها الذاتية فحسب. وهو ما تبدى من تصرفات السياسيين البريطانيين أثناء الزيارة، فقد قاطع زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار، «فينس كابل»، وزعيم حزب العمال، «جيريمي كوربين» مأدبة العشاء التي أُقيمت على شرف ترامب، مشيرين إلى استيائهم من هذا الاستقبال الحافل الذي قُدم لشخص يعتبرونه «عنصريا وكارها للنساء»، كما لم يقدم رئيس مجلس العموم، «جون بيركو»، دعوة إلى الرئيس لإلقاء كلمة في البرلمان كما فُعل مع أسلافه «باراك أوباما»، و«بيل كلينتون» و«رونالد ريجان».

ثالثًا: مخالفة «ترامب» المستمرة لمعايير الدبلوماسية الدولية، فقد هاجم بريطانيا بشكل مكثف ومستمر، رغبة منه في إقحام نفسه بالسياسة الداخلية البريطانية، وهو ما أشارت إليه «صحيفة الأوبزرفر»، بأن «هناك أسبابا وجيهة لعقد اتفاقية تمنع القادة الأجانب من التدخل في السياسة الداخلية للدول الصديقة؛ لأن القيام بذلك أمر غير مهذب واستفزازي، يضر بالصداقة التي يرغبون في تقويتها، ويُمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية». وأكد «ستيفن كولينسون» من شبكة «سي إن إن»، أنه «بينما يبذل معظم الرؤساء جهدهم لتفادي التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، يأتي ترامب بعكس ذلك بممارساته مع حليفه القديم».

وفي تجاهل لكل الأعراف الدبلوماسية، تدخل ترامب في شؤون البلاد قبل وصوله إليها، ففي مقابلات مع صحف بريطانية، انتقد ترامب الطريقة التي أدارت بها «تيريزا ماي» المفاوضات مع المفوضية الأوروبية، وقام بتزكية وزير الخارجية السابق، «بوريس جونسون»، الذي يؤيد بريكسيت بلا اتفاق لتولي رئاسة الحكومة خلفا لها، كما أشاد بالشعبوي، «نايجل فاراج» زعيم حزب فاز في الانتخابات الأوروبية، كما رفض اجتماعا خاصًا مع زعيم المعارضة، ورئيس الوزراء المستقبلي المحتمل «جيريمي كوربين». 

فيما جدد الرئيس الأمريكي، «ترامب» هجومه اللفظي على رئيس بلدية لندن «صادق خان» في تغريدة كتبت قبل دقائق من هبوطه في مطار العاصمة البريطانية، فوصفه بأنه «لوح ثلج فاشل» بعد أن انتقد خان قرار الحكومة البريطانية استضافته في زيارة دولة. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتعرض فيها «خان» للهجوم من الرئيس «ترامب»، حيث هاجمه مرارا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، منتقدا أداءه حول مكافحة الإرهاب والتهجم عليه كأول رئيس بلدية مسلم لمدينة لندن، والترويج للخوف من المهاجرين المسلمين، بما في ذلك الإرهاب والجريمة، وهي التصريحات التي أثارت جدلا واستياء كبيرين بين مسلمي لندن.

رابعًا: الاختلاف حول شركة «هواوي» الصينية، التي تعتبرها واشنطن تهديدًا أمنيا، خشية أن تتخذها بكين ذريعة للتجسس عليها، لذلك اتجهت إلى حظر منتجاتها وخدماتها من الاستخدام المحلى، في حين تتفاوض بريطانيا مع الشركة لتوفير شبكة الجيل الخامس في البلاد خلال السنوات القادمة، ما حدا بكل منهما للتشكيك في سياسات الآخر، مزعزعين بذلك أواصر الوحدة الموجودة ضمن إطار العلاقة الخاصة.

خامسا: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي سيزيد من تدهور العلاقات الثنائية بين البلدين، فعلى الرغم من تأييد ترامب للسياسات ذات النزعة القومية، فإن فقدان بريطانيا للوصول إلى موارد الاتحاد سيُقلل من أهميتها العالمية، ومن ثم أهميتها للولايات المتحدة باعتبارها شريكًا استراتيجيا. وتؤكد «ليزلي فينجاموري» من «المعهد الملكي للشؤون الدولية»، «تشاتام هاوس» أن «العلاقات الأمريكية البريطانية لا بد أن تُعاني من انتكاسة دائمة لأن بريطانيا لن تستطيع أن تكون ذات أهمية أو ذات نفع للولايات المتحدة بخروجها من الاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى خسارتها للموارد الأوروبية المشتركة في مجالات مثل تطوير المعدات العسكرية وعمليات مكافحة التجسس المشتركة».

ويوضح «توماس رايت» من «معهد بروكينجز» أنه في ظل «التراجع البريطاني والانقسامات السياسية المتزايدة وتزايد عدم شعبية ترامب في المملكة المتحدة، فإن العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وبريطانيا وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ أزمة السويس عام 1956 حين كف الرئيس الأمريكي أيزنهاور عن دعم محاولات بريطانيا وفرنسا لاستعادة قناة السويس». 

وبالرغم من تراجع العلاقات بين الحليفين، فإن معظم المحللين يرون أن الانهيار التام للعلاقات هو أمر بعيد المنال، وذلك اعتمادا على عوامل ثلاثة هي: 

الأول: العلاقات الاستخباراتية، يشير «يعقوب باراكيلاس» من معهد «تشاتام هاوس» إلى أن الأمر يتعلق بالعلاقة العميقة بين أجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية، وبين أجهزتهما الأمنية وتكامل جيوشهما عسكريا». وفي هذا الصدد، يؤكد تقرير «للمعهد الملكي للخدمات المتحدة» «أن العلاقة بين بريطانيا وأمريكا أقل من أن توصف بأنها علاقة متوترة بين قائدي دولتين ولكنها أكبر بكثير من ذلك كونها من التفاعلات اليومية بين آلاف المسؤولين والعسكريين الذين يعملون بجانب بعضهم بعضا شخصيا أو إلكترونيا، حيث تعد تلك التفاعلات بمثابة روابط عمل وثيقة تعزل الأهداف المشتركة طويلة الأجل بعيدًا عن الانحرافات أو التحديات قصيرة الأجل». 

الثاني: العلاقات الثقافية، يؤكد «ألاسدير دونالدسون» من «المجلس الثقافي البريطاني»، أنه «برغم تدهور سمعة أمريكا بسبب ترامب، فإن التقارب الثقافي الأساسي بين البلدين الذي يعتمد على المصالح المشتركة والقيم والجذب المتبادل قوي ولا توجد أي مؤشرات ضعف فيه». 

الثالث: العلاقات الاقتصادية، التي تعد ركنًا أساسيا في دعم العلاقة الخاصة، والتي لا يمكن الاستهانة بها، إذ لا نظير لمكانة كلتا الدولتين كأكبر مستثمر أجنبي في اقتصاد الآخر. وتعد الولايات المتحدة هي أكبر سوق تصدير في بريطانيا، وتعد الأخيرة هي رابع أكبر سوق للصادرات الأمريكية؛ وهو الأمر الذي يُعد دافعًا كبيرًا إلى أن تظل العلاقات الحكومية ودية برغم الخلافات السياسية.

على العموم، على الرغم من أن العلاقات الأمريكية البريطانية تواجه ضغوطًا كبيرة في المرحلة الراهنة، جراء شخصية ترامب وإصراره على التدخل في السياسة الداخلية لحلفائه، والاختلاف حول قضايا أُخرى تتعلق بإيران وحلف الناتو وأزمة هواوي، فإنه في كل الأحوال، يظل انهيار العلاقات بين البلدين بشكل تام أمرا مستبعدا في ضوء المصالح والروابط القوية بين الجانبين. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news