العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في البحرين (4-4)

بقلم: خالد فياض {

الأربعاء ١٢ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

في المقال السابق استعرضنا وضعية الجمعيات الأهلية في مملكة البحرين من حيث التوزيع الجغرافي ونوعية نشاطها بالإضافة إلى معدل عدد الجمعيات إلى معدل السكان في المملكة ولاحظنا أن هناك فجوة واضحة بين الجمعيات وتوزيعها الجغرافي ومعدل السكان ونوعيتها وأن عدم وجود مقرر محدد لمعظم الجمعيات الأهلية قد يؤثر على جديتها في طرح نشاطها.

في هذا المقال سنتطرق إلى المشاركة الانتخابية، وهل أثر وجود الجمعيات الأهلية على تلك المشاركة الانتخابية سلبًا أو إيجابا وما دلالة ذلك؟ بالإضافة إلى أهم التوصيات التي نرى أنه من الضروري الالتزام بها لتفعيل دور الجمعيات الأهلية في دعم عملية التحول الديمقراطي في مملكة البحرين. 

في البداية لا بد من الإشارة إلى أنه سيقتصر تحليلنا للمشاركة الانتخابية على المشاركة في انتخابات 2018 سواء في الانتخابات النيابية أو البلدية وذلك في مؤشرات المشاركة من حيث الترشح والتصويت. وقد لاحظنا أنه رغم كون المحافظة الجنوبية هي اقل المحافظات من حيث عدد الجمعيات الأهلية فقد كانت الأكبر من حيث نسبة المشاركة في الانتخابات النيابية والبلدية حيث بلغت نسبة الجمعيات الأهلية إلى إجمالي عدد الجمعيات الأهلية في المملكة حوالي 7% فقط في حين بلغت نسبة المشاركة الانتخابية حوالي 82% من إجمالي من لهم حق التصويت في انتخابات المحافظة الجنوبية وكذلك كان الوضع بالنسبة إلى المترشحين حيث كان عدد مترشحي تلك المحافظة هو الأقل بنسبة 21% من إجمالي عدد المترشحين في المملكة ولم يقل عنه بفارق بسيط إلا محافظة المحرق. 

ورغم استحواذ محافظة العاصمة على أكثرية عدد الجمعيات الأهلية في المملكة بنسبة 31% من إجمالي عدد الجمعيات الأهلية، فإنها لم تكن كذلك من حيث نسبة المشاركة الانتخابية والتي بلغت فقط 55% من إجمالي من لهم حق المشاركة الانتخابية في المحافظة عمومًا، أي أنها احتلت المركز قبل الأخير بين محافظات المملكة الأربع. وإن كانت نسبة المترشحين في محافظة العاصمة أفضل حالا في كونها المحافظة الثانية من حيث كم المترشحين للانتخابات النيابية. بالإضافة إلى ذلك فإن نسبة المشاركة الانتخابية في المحافظة الشمالية كانت الأقل بين محافظات المملكة الأربع، إلا أن الوضع لم يكن كذلك بالنسبة إلى عدد الجمعيات الأهلية حيث لم تستحوذ الشمالية سوى على نسبة 13% من إجمالي عدد الجمعيات الأهلية في المملكة وذلك رغم استحواذها على النسبة الأكبر من المترشحين لتلك الانتخابات النيابية بنسبة بلغت 36% من إجمالي المترشحين للمملكة. 

وعلى مستوى جمعيات المرأة فإن محافظة العاصمة، وهي المحافظة الأكبر من حيث عدد جمعيات المرأة حيث يوجد في المملكة عموما 22 جمعية نسوية من بينها 9 جمعيات في محافظة العاصمة فقط، بنسبة بلغت 41% من إجمالي جمعيات المرأة في المملكة، لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة إلى استحواذ المرأة على عملية الترشح للانتخابات النيابية والتي بلغت 30% من نسبة المترشحات للمجلس النيابي على مستوى المملكة عمومًا، ومع ذلك فقد استطاعت نساء العاصمة الاستحواذ على نصف مقاعد المرأة في مجلس النواب في الانتخابات النيابية الأخيرة أي على ثلاثة مقاعد من إجمالي ستة مقاعد للمرأة في مجلس النواب الحالي. 

وعلى العكس من ذلك ورغم أن أقل عدد من جمعيات المرأة كان في المحافظة الشمالية فقد كان بها أكبر عدد من المترشحات للمجلس النيابي (13 مترشحة من إجمالي 40 مترشحة) كما خرج منها اثنان من الفائزين بعضوية المجلس النيابي، كما كانت الشمالية هي الأكثر استحواذا على نسبة المترشحات للمجالس البلدية، فمن إجمالي عدد المترشحات البالغ عددهن 8 مترشحات خرج من الشمالية فقط ثلاث مرشحات.

وهكذا فإنه من الواضح عدم وجود علاقة تأثير من جانب الجمعيات الأهلية في مملكة البحرين عموما على العملية الانتخابية، بل إنه كما لاحظنا فإن غياب الجمعيات الأهلية كان مؤثرا بالإيجاب من حيث ارتفاع نسبة المشاركة الانتخابية سواء على مستوى الترشح أو على مستوى التصويت، وهو أمر يعود إلى عدم نشاطية تلك الجمعيات في معظمها، كما لاحظنا من قبل، بالإضافة إلى عدم وجود ثقافة تدعم العمل التطوعي في المجتمع البحريني وهي ظاهرة يمتد أثرها ليشمل معظم الدول العربية والتي تعاني من الارتفاع الكمي لعدد المنظمات الأهلية من دون أن يرتبط ذلك بأثر كيفي على المجتمع.

لذلك من الممكن صياغة عدد من التوصيات من الممكن أن تكون مقدمة لإصلاح حقيقي وضروري للمجتمع المدني في مملكة البحرين وهي توصيات يرتبط بعضها بالأطر الداخلية لعمل منظمات المجتمع المدني وبعضها يرتبط بأطر خارجية. ويمكن إجمال التوصيات الخاصة بالأطر الداخلية في الآتي: 

1- الالتزام بالأساليب الديمقراطية في تنظيم وإدارة شؤون الجمعيات الأهلية بحيث تلتزم جميعها بتطبيق أحكام القانون الخاصة بانتخاب مجلس إدارة الجمعية عن طريق الاقتراع السري فضلا عن الالتزام بأسس معايير الشفافية والمساءلة في ممارستها لأنشطتها وكذلك الالتزام بمعالجة الخلافات الداخلية بأساليب ديمقراطية ومؤسسية بما يحفز وحدة الجمعية وتماسكها ولا شك في أن تبني النهج الديمقراطي في إدارة الشؤون الداخلية للجمعيات إنما يسهم في تدريب الأعضاء على المشاركة من ناحية وإشاعة قيم وثقافة الديمقراطية على صعيد المجتمع من ناحية أخرى. 

2- تعزيز القدرات المؤسسية للجمعيات الأهلية من خلال تحديث هياكلها الإدارية والتنظيمية على النحو الذي يجعلها أكثر مؤسسية وفاعلية على الصعيد التنظيمي وأكثر مرونة على صعيد التعامل مع المستجدات والمتغيرات فضلا عن تطوير وتحديث قواعد البيانات الخاصة بالجمعيات بانتظام مع وضع الخطط والآليات اللازمة التي تضمن التطوير المستمر لقدرات ومهارات القائمين على شؤون الجمعيات وأعضائها.

3- مراجعة أهداف الجمعيات مع تطوير برامج وآليات عملها بحيث تتجاوز الطابع الموسمي الذي بات سمة بارزة لعديد من الجمعيات فالتزام الجمعية بتنفيذ أنشطة ولو قليلة على مدار العام أفضل من أن تقوم ببعض الأنشطة في بعض المناسبات. فالأنشطة المدروسة والمبرمجة على مدار العام تسمح للجمعية بأن تعزز حضورها على صعيد المجتمع.

4- العمل من أجل تصحيح صورة الجمعيات الأهلية لدى المجتمع، خاصة أن آخر دراسة ميدانية عن الجمعيات الأهلية في مملكة البحرين والتي قامت بها وزارة التنمية الاجتماعية عام 2009 ذهبت إلى عدم إدراك الغالبية العظمي من العينة المستهدفة للدور المنوط بتلك الجمعيات في المجتمع. 

5- تعزيز الجمعيات الأهلية لقنوات التواصل مع المجتمع من خلال تعريفه بالجمعيات وأنشطتها والعمل من اجل استقطابهم للانضمام إليها، وإذا كان هذا الأمر مطلوبا بالنسبة إلى جميع أشكال الجمعيات الأهلية فإنه أكثر أهمية بالنسبة إلى جمعيات المرأة والجمعيات الاجتماعية والخيرية، بالإضافة إلى جمعيات الشباب حيث يجب أن يشكلوا مكونا رئيسيا في عضوية هذه الجمعيات. 

6- العمل بفاعلية من أجل تنمية وتطوير الموارد المالية الذاتية للجمعيات فتوافر مصادر ذاتية للتمويل انما يعزز من استقلالية الجمعيات ويمكنها من تحقيق التأثير المطلوب لها في المجتمع. 

7- تفعيل جهود التنسيق بين الجمعيات العاملة في نفس المجال وتشجيعها على الاندماج من خلال اتحادات نوعية بين الجمعيات، ما يقلص من مظاهر الازدواجية والتكرار في الأنشطة والفعاليات. 

8- تفعيل جهود الشراكة مع بعض الوزارات والمؤسسات الحكومية فجهود الجمعيات الأهلية يجب أن تتكامل مع جهود أجهزة الدولة ومؤسساتها من أجل معالجة القضايا التي تواجه المجتمع. 

أما التوصيات الخاصة بمعالجة الأطر الخارجية لعمل الجمعيات الأهلية فتتمثل في الآتي: 

1- المراجعة الدورية للقوانين والتشريعات المتصلة بعمل الجمعيات الأهلية وتطويرها على النحو الذي يعزز من استقلاليتها. وإيجاد قنوات ملائمة يمكن من خلالها إشراك الجمعيات الأهلية في مناقشة تلك التشريعات والقوانين. 

2- توفير الدعم المالي الحكومي المخصص للجمعيات الأهلية ولو لفترة التأسيس فقط مع مساعدتها على تطوير مواردها المالية الذاتية من دون وضع اعتبارات الأقدمية أو نوع النشاط في الاعتبار.

3- العمل من أجل تعزيز فرص ومجالات الشراكة بين أجهزة الدولة ومؤسساتها من ناحية والجمعيات الأهلية العاملة في نفس المجال من ناحية أخرى بحيث تتكامل جهود الطرفين من أجل الصالح العام.

4- قيام القطاع الخاص بدور أكثر فاعلية في دعم جهود وأنشطة الجمعيات الأهلية وذلك في إطار المسؤولية الاجتماعية لرأس المال ومن خلال شراكات وبرامج عمل مشتركة تجمع بين القطاع الخاص والجمعيات الأهلية.

5- مبادرة وسائل الإعلام ومؤسسات التعليم بدعم نشاط الجمعيات الأهلية من خلال تغطية أنشطتها ونشر الوعي بأهمية العمل التطوعي باعتباره يمثل جوهر المجتمع المدني الحديث. 

وأخيرًا فإن ثمة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والجمعيات الأهلية وكل القوى الاجتماعية الفاعلة والمؤثرة بشأن نشر وإشاعة قيم ثقافة الديمقراطية بين مختلف فئات المجتمع، فقيم مثل المبادرة والمشاركة والتسامح والاعتدال وسيادة القانون تمثل بنية ثقافية وقيمية للجمعيات الأهلية ولمختلف المنظمات الأخرى التي يشملها المجتمع المدني. وهو ما يعزز من عملية التحول الديمقراطي التدريجي في مملكة البحرين. 

‭{‬ المستشار السياسي لمعهد البحرين للتنمية السياسية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news