العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

مواصلة معركة الدفاع عن الحقوق الفلسطينية

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ١١ يونيو ٢٠١٩ - 01:15

تعود بي الذاكرة إلى منتصف الثمانينيات من القرن العشرين. فقد علمني جاك أوديل درسًا بليغا لن أنساه أبدا. للتذكير عمل جاك أوديل أولا مستشارا لمارتن لوثر كنج الابن قبل أن يشغل نفس المهمة مع جيسي جاكسون. فقد قال لي جاك أوديل يومها: عندما تخوض النضال ضد الخصوم من أجل نيل حقوقك فلا تتأثر بما قد تتعرض له من انتكاسات وتسلح بالثقة الكاملة لأنك نجحت في تحقيق التقدم. 

لقد قدم جاك أوديل تلك النصيحة عقب سلسلة من الأحداث التي جدت في مطلع الثمانينيات. فخلال الفترة التي سبقت الاحتفال بالذكرى العشرين لمسيرة واشنطن التي كان قد قادها الزعيم مارتن لوثر كنج سنة 1963 وجه المنظمون الدعوة إلى العرب الأمريكيين، من خلال منظمتنا، أي المنظمة الأمريكية-العربية لمكافحة التشهير. 

كان السيناتور السابق د. جيمس أبو رزق يتولى رئاسة منظمتنا وقد وجهت إليه الدعوة إلى إلقاء كلمة بهذه المناسبة فيما طلب مني أن أنضم إلى مجلس التخطيط القومي. عندما انتشر الخبر عبرت المنظمات اليهودية الأمريكية عن احتجاجها وهددت بسحب دعمها ومشاركتها في الفعالية. 

لقد عبرت المنظمات اليهودية عن معارضتها لمشاركتي في المجلس ومشاركة جيمس أبو رزق كمتحدث. بعد مرور أسابيع من الجدل الساخن كسبنا الرهان. فقد خرج العرب الأمريكيون في مسيرة كما أمكن لرئيسنا الانضمام إلى اللجنة والتحدث في المناسبة. 

في نفس السنة أعلن جيسي جاكسون ترشحه للانتخابات الرئاسية الأمريكية وقد اتخذ آنذاك قرارا بتعييني نائبا لمدير حملته الانتخابية. في بداية تلك الحملة الانتخابية طلبت مجموعة من الشخصيات اليهودية الليبرالية مقابلة جيسي جاكسون للتعبير عن امتعاضها من انفتاحه المفرط على الجالية العربية والاحتجاج على إشراكي في حملته الانتخابية كنائب لمديرها. تم اللقاء وأمكن لتلك المجموعة من الشخصيات اليهودية الليبرالية التعبير عن احتجاجها الذي رفضه جيسي جاكسون جملة وتفصيلا. 

خلال تلك الفترة العصيبة سعيت للحصول على دعم جاك أوديل ومشورته حول كيفية التغلب على تلك العواصف. عندما بلغني أمر الاحتجاجات التي عبرت عنها تلك المجموعة من الشخصيات اليهودية ورفضهم تعييني في الحملة الانتخابية الخاصة بجيسي جاكسون أسقط في يدي وشعرت بالإحباط لأنني وجدت نفسي أخوض نفس المعركة التي خضناها بسبب مشاركتنا في إحياء الذكرى العشرين لمسيرة واشنطن. يومها عبرت لجيسي جاكسون وجاك أوديل عن رغبتي في التنحي. 

رد جيسي جاكسون وجاك أوديل بالقول: «إذا قررت الانسحاب فإنك تمنح خصومك ما يريدونه بالضبط. إنهم يخشون أن تصمد وتبدي إصرارك على البقاء ومواصلة المعركة حتى النهاية». 

بعد أن ثبتني جيسي جاكسون في دوري كنائب لمدير حملته الانتخابية قلت لجاك أوديل إن الانتصار على الخصوم له طعم رائع. عندها قدم لي جاك أوديل النصيحة الثانية وطلب مني ألا أتسرع في الشعور بالانتصار وأن أتسلح بالحذر حتى لا تجرفني نشوة الفوز. فقد قال لي: «عندما تشعر بأنك قد انتصرت وكسبت الرهان لا تدر ظهرك لأن خصومك لم ولن يسلموا أبدا بالأمر». 

لقد بقيت تلك الكلمات الحكيمة عالقة بذهني طوال مسيرتي السياسية وقد ساعدتني في التغلب على الكثير من العواصف السياسية التي واجهتني في حياتي. لقد تذكرت تلك النصائح التي أسداها لي جاك أوديل مرة أخرى في خضم التطورات والأحداث التي جدت في مؤتمر الحزب الديمقراطي في ولاية كاليفورنيا في الأسبوع الماضي. 

خلال الأيام التي سبقت انعقاد ذلك المؤتمر أعدت مجموعة من العرب واليهود الأمريكيين التقدميين خمسة مشاريع قرارات تتعلق بجوانب من حقوق الإنسان الفلسطيني والسبيل التي يمكن أن تفضي إلى تحقيق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. 

جاء ذلك في خضم نتائج استطلاع الرأي التي أظهرت تغيرا ملحوظا في قاعدة الحزب الديمقراطي تجاه القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. تضمنت تلك القرارات الخمسة المرفوعة إلى أشغال مؤتمر الديمقراطيين في كاليفورنيا إدانة للخطوات التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا والتي تشمل قطع المساعدات ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس وغض النظر عن التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

أكدت القرارات أيضا حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وأدانت قانون يهودية دولة إسرائيل والذي شرعه الكنيست الإسرائيلي وانتقدت بشدة المساواة بين انتقاد إسرائيل من ناحية ومعاداة السامية من ناحية ثانية وطالبت بإنهاء الحصار المضروب على قطاع غزة. 

عبرت مجموعة من المنظمات اليهودية الكبرى عن احتجاجها على ما جاء في تلك القرارات الأمر الذي اضطر قيادة الحزب الديمقراطي في كاليفورنيا إلى إعادة كتابتها، ما أدى إلى «إفراغها من محتواها»، كما أنها رفضت السماح باستخدام المفردات اللغوية التي وردت في النسخة الأصلية لمشاريع القرارات حتى يتم التصويت عليها في انتهاك صارخ للضوابط التي وضعها الحزب الديمقراطي نفسه. 

أما الصحافة اليهودية فقد زعمت أن الحزب قد رفض «القرارات المنتقدة لإسرائيل». أما الأعضاء من العرب الأمريكيين والتقدميين الذين حرروا مسودة القرارات في نسختها الأصلية فقد عبروا عن إحباطهم بسبب تعسف قيادة الحزب الديمقراطي عليهم. بل إن البعض رأوا في ذلك خسارة.

عندما نتمعن في الأمر تتضح لنا صورة أخرى مختلفة. فقد اضطرت الجماعات الموالية لإسرائيل وقادة الحزب الديمقراطي إلى الأساليب التكتيكية القوية من أجل تهميش القرارات الأصلية وكانت تخشى السماح بعرضها للتصويت خلال المؤتمر من قبل الأعضاء، وهو ما كشف في الحقيقة عن ضعف موقفهم. 

في نفس الوقت، وعندما نمعن النظر نجد أنهم قد اضطروا في نهاية المطاف للإبقاء على أجزاء ومقاطع مهمة من نص القرارات الأصلية التي صاغها أعضاء من العرب الأمريكيين والتقدميين رغم أن النسخة الأصلية قد أعيدت كتابتها وحذفت منها عبارات ومفردات اعتبروها غير مقبولة ومن بينها «حق العودة». 

تنتقد النسخة الأصلية التسرع في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتدعو إلى استئناف تقديم المساعدات الأمريكية لدعم وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين لمساعدة الفلسطينيين الذين «تحولوا إلى لاجئين بسبب قيام دولة إسرائيل، كما تنتقد النسخة الأصلية «التوسع الاستيطاني اللا شرعي في الضفة الغربية والقدس الشرقية» وتدعم «حقوق الإنسان والمساواة والعدالة» في إسرائيل وفلسطين، إضافة إلى الدعوة إلى رفع الحصار المضروب على قطاع غزة. 

لقد سعدت كثيرا عندما علمت أن النشطاء العرب الأمريكيين والتقدميين الذين بذلوا تلك الجهود الكبيرة مصرون رغم خيبة الأمل على مواصلة المعركة. هؤلاء النشطاء غير مستعدين للتخلي عن المعركة. 

لقد حقق هؤلاء النشطاء تقدما ملموسا. إنهم لم يخسروا لأنهم كسبوا الرهان وفرضوا مناقشة هذه المسائل الحساسة مثل العدالة والسلام كما أجبروا قيادة الحزب الديمقراطي في كاليفورنيا على إدراج المفردات اللغوية في «الصيغة المعدلة» التي لم تكن لتخرج للعلن لولا تلك الجهود المخلصة. 

يجب أن ندرك ما تحقق من تقدم ملموس ونعي ضرورة مواصلة الجهود لأن الخصوم لن يسلموا بالأمر بدورهم. هذه هي الدروس البليغة التي ستفيدنا في الجولة القادمة. 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news