العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

أفق مؤسسات التدريب في مملكة البحرين.. نظرة تحليلية

بقلم: د. وفاء المنصوري

الثلاثاء ١١ يونيو ٢٠١٩ - 01:15

ركز التعليمُ النظامي في مملكة البحرين - منذ بداياته الأولى - على أهمية التعليم الفني، حيث تم تدشين أول مدرسة ثانوية للتعليم الصناعي في المملكة في عام 1936؛ أي بعد (17) عامًا منذ انطلاق مسيرة التعليم النظامي. ويمكن قياس ذلك على التعليم ما بعد الثانوي أيضًا، خاصة في مجالات الهندسة، والتجارة، وإدارة الأعمال. ولعل كلية البحرين الصناعية - والتي تأسست في عام 1966 وكان خريجوها يمنحون درجة الدبلوم والدبلوم العالي من قبل معهد «سيتي أند جيلد» بالمملكة المتحدة - هي أكبرُ دليل على الصبغة الفنية والمهنية للتعليم ما بعد الثانوي في مملكة البحرين في تلك الفترة. إلا أنه، مع تأسيس جامعة البحرين، وطرح برامج البكالوريوس في التخصصات المختلفة، شهد التعليمُ الفني والمهني آنذاك انحسارًا بشكل عام، وبالأخص مع اقتران ذلك بمعدل الرواتب الذي تقدمه مؤسسات الدولة باعتبارها الجهة الرئيسية لتوظيف المواطنين من حاملي الشهادات الجامعية والمنخرطين في سوق العمل. 

غير أن الاحتياجات المتغيرة، والمتسارعة، للاقتصاد الوطني وسوق العمل، والتقدم في التكنولوجيا، والتوجه إلى توظيف متخصصين قادرين على العمل بصورة سريعة ومباشرة، والتوسع في طبيعة الوظائف، وزيادة حدة المنافسة بين المتقدمين لشغل وظائف محددة، كل ذلك شكل ضغطًا على قطاعي التعليم والتدريب، فبات من المتوقع من المتقدم للعمل اليوم، بالإضافة إلى تمكنه من المعارف المطلوبة، أن يكون ماهرًا في التواصل الشفهي والكتابي – ويفضل أن يمتلك أكثر من لغة – والعمل الفردي والجماعي، والتفكير النقدي وحل المشكلات، إضافة إلى قدرته على التعلم الذاتي. 

كما يتسم العصر الحالي بعدم استمرار الأشخاص في العمل لدى مؤسسة واحدة طوال حياتهم العملية، وإن استمروا فيها، فلا يكون ذلك من خلال وظيفة واحدة، بل يتدرجون في مواقع مختلفة داخلها. كما أن طبيعة الوظائف ومتطلباتها الحديثة تتغير بصورة متسارعة؛ ما يتطلب من الموظفين العودة إلى مقاعد الدراسة لتعلم مهارات علمية وعملية جديدة؛ تمكنهم من أداء عملهم بكفاءة وفاعلية عالية، للبقاء في مجال المنافسة والعمل. وعليه، فقد طرأ تغيير في الهيكل الطلابي، ليشمل نسبة مئوية متزايدة من الأفراد الناضجين الذين اختاروا مواصلة تعليمهم في محاولة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية أو لاكتساب معارف ومهارات جديدة تتطلبها احتياجات السوق المتغيرة باستمرار. نتيجة لذلك، برزت الحاجة، مرة أخرى، إلى ضرورة وجود تعليم ما بعد الثانوي يتسم بالمرونة والقابلية؛ للتكيف ومسايرة التغير السريع في الاقتصاديات المعاصرة، حتى يُمَكِّن المتعلمين من الجمع بين العمل، والدراسة، والالتزامات الاجتماعية، بجانب تطوير المعرفة، والمهارات، والسمات اللازم تبنيها بنجاح واقتدار. كما برز حرص نسبة معتبرة من المتعلمين على الحصول على شهادات احترافية، تمكن الخريجين حديثًا من حاملي درجة البكالوريوس من التنافس في سوق العمل. 

في رؤيتها الاقتصادية 2030. أكدت مملكة البحرين الحاجة إلى تحويل اقتصاد البلاد من اقتصاد يعتمد أساسًا على النفط إلى اقتصاد قائم على المعرفة، وحددت التعليم والتدريب باعتبارهما المحركين الرئيسيين اللذين سيمكنان المملكة من تحقيق هذا التحول. وتؤكد رؤية 2030 أن النمو الاقتصادي في البحرين يمكن تحقيقه من خلال هدفين رئيسيين: الأول من خلال تحفيز ودعم القطاع الخاص ليصبح محركًا للنمو الاقتصادي، والثاني من خلال تمكين البحرينيين ليصبحوا الخيار الأول في سوق العمل. ومن هنا، يُنظر إلى التعليم والتدريب على أنهما المفتاح لتوفير المهارات القابلة للتحويل والنقل، لذلك ركزت مبادرات صندوق العمل «تمكين» على أهمية دعم المواطن البحريني على الحصول على شهادات احترافية، كما جاءت مبادرات مشروع تطوير التعليم والتدريب لتشمل تأسيس بوليتكنك البحرين، ووضع الأسس الصارمة لتقييم جودة مؤسسات التعليم والتدريب العاملة في المملكة، تحت مظلة هيئة جودة التعليم والتدريب. 

ويعمل في مملكة البحرين حاليا (114) مؤسسة تعليم وتدريب، (85) مؤسسة منها مرخصة من قِبَلِ وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، و(27) مرخصة من قِبَلِ وزارة التربية والتعليم، إلى جانب مؤسستين قائمتين بذاتهما. واليوم، وبعد مرور أكثر من (10) سنوات على تأسيس هيئة جودة التعليم والتدريب، وبعد تنفيذ إدارة مراجعة أداء مؤسسات التدريب المهني ثلاث دورات مراجعة، نشرت من خلالها قرابة الــ(300) تقرير، تشير نتائج هذه المراجعات إلى وجود تحسن ملحوظ في أداء مؤسسات التعليم والتدريب المهني؛ إذ ارتفعت نسبة المؤسسات الحاصلة على حكم: «ممتاز» و«جيد» في الفاعلية بوجه عام، وذلك من بين (21%) من المؤسسات التي تمت مراجعتها في الدورة الأولى، إلى (40%) في الدورة الثانية، وصولاً إلى (46%) مع نهاية الدورة الثالثة، وبالمقابل تقلصت نسبة المؤسسات الحاصلة على تقدير «غير ملائم» من (18%) إلى (16%)، ومن ثم إلى (12%). 

وعلى الرغم من التطور الملحوظ في أداء هذه المؤسسات، مازالت نوعية البرامج التي تقدم من قبل هذه المؤسسات والتي تتصل بالمجال المهني والفني تشكل تحديا لا بد من تشخيصه ومعالجته بما يتلاءم وتحديات العصر ومتطلبات السوق. وتختلف مؤسسات التعليم والتدريب المهني العاملة في مملكة البحرين من حيث الحجم والبرامج المقدمة، إلا أنها - في غالبيتها - مؤسسات صغيرة الحجم بإجمالي عدد متدربين يبلغ ما بين 500 إلى 1000 متدرب في السنة. وتسجل الغالبية العظمى منهم في الدورات والبرامج التدريبية المقدمة من مؤسسات تدريبية مرخصة من قِبَلِ وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، ويكونون من العاملين بالقطاع الخاص، حيث يتكفل في الغالب أصحاب الأعمال، أو صندوق العمل (تمكين) بنفقات تدريبهم. وتتباين طبيعة الشهادات التي تمنح نتيجة لحضور هذه الدورات والبرامج، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث فئات: (1) شهادات تخصصية تُمنحُ، أو تعتمد من جهات احترافية عالمية؛ ما يمنح الحاصلين عليها ميزة وأفضلية عند التقدم للعمل في المؤسسات المختلفة، خاصة في القطاع الخاص؛ (2) شهادات اجتياز برامج ودورات محلية؛ و(3) شهادات حضور برامج ودورات محلية. غير أنَّ الدورات المحلية تتسم في عمومها بكونها دورات قصيرة وقصيرة جدًّا، لا تؤدي، في معظم الأحيان، إلى حصول المتعلم على مؤهل فني في مستوى الدبلوم والدبلوم العالي. وحيث إنَّ التعليم والتدريب الفني والمهني جاء أساسًا لتمهين المتعلم؛ وإعداده للانخراط في مهنة محددة، فإنه بطبيعة الحال تكون هذه المهن ذات خصوصية مرتبطة باقتصاد كل بلد، ومن ثمَّ يصبح ضروريًّا تطوير برامج محلية ذات مستويات عالمية، يحصل المتعلم بعد إنجازها على شهادات احترافية وطنية على مستوى الدبلوم والدبلوم العالي في مجالات التخصص المختلفة، والتي من الممكن دعم ورفد سوق العمل باحتياجاته من فنيين مؤهلين في المجالات المختلفة، وخاصة ما يتصل بتخصصات مثل السياحة، والضيافة، والتموين، وتجارة التجزئة، وتقنية المعلومات، والصحة والسلامة، وذلك بما يتناسب مع خطط الدولة التنموية؛ لتقوية وتعزيز المناخ الاستثماري في القطاع الخاص. 

ولتحقيق ذلك، تشير التوصيات المتضمنة في تقارير المراجعة لهيئة جودة التعليم والتدريب إلى الحاجة إلى تطوير آليات رسمية يتم من خلالها التحقق بصورة دورية من احتياجات سوق العمل، إضافة إلى تبني سياسات وعمليات رسمية تلتزم بها المؤسسات عند تصميم ومراجعة البرامج التي تقدمها. مع التأكيد على ضرورة تطوير الآليات التي تنتهجها هذه المؤسسات في قياس، وتقييم مستوى المتدربين عند الالتحاق بالبرامج؛ لضمان مواءمة قدراتهم لمتطلبات هذه البرامج، إضافة إلى تحسين وتنويع طرائق التعليم والتعلم، وتطويعها لتلائم طبيعة البرنامج العملية، والاحتياجات والمستويات المختلفة للمتدربين؛ لضمان تطوير معارفهم، ومهاراتهم، وقدراتهم بما يلائم احتياجات سوق العمل، وتوجه رؤية البحرين الاقتصادية 2030. في التحول إلى اقتصاد قائم على المعرفة، وجعل المواطن البحريني قادرًا، من موقع المنافسة العملية والعلمية، على الإسهام بصورة فاعلة في بناء مستقبل أفضل. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news