العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

دور الردع في تغيير مسار الأزمات.. أي تأثير على الأزمة الإيرانية الراهنة؟

بقلم: د. أشرف محمد كشك {

الاثنين ١٠ يونيو ٢٠١٩ - 01:15

مع أن هناك عديدا من العوامل التي تحدد مسار الأزمة كما أشرت إلى ذلك في مقالات سابقة فإن أهم تلك العوامل - برأيي - هو القدرة على تحقيق مفهوم الردع، وذلك المفهوم ببساطة هو استراتيجية من استراتيجيات إدارة الأزمات التي تستهدف ما يمكن أن نطلق عليه «الصراع المنضبط»، ومضمون استراتيجية الردع ببساطة هو مجموعة من الإجراءات الفعلية التي تستهدف إرسال رسالة للطرف الآخر مضمونها أن إقدامه على تصرف سوف يكلفه الكثير وتفوق خسائره الفوائد المرجوة منه، ويعني ذلك أن الردع هو التلويح بالقدرة على التهديد وليس ممارسته، وبالعودة إلى تاريخ العلاقات الدولية نجد أن ذلك المفهوم قد تمت ممارسته وكان ذلك جليا إبان حقبة الحرب الباردة من خلال سعي كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي آنذاك لتعزيز ترسانتهما النووية بما يحقق الردع المتبادل ولم تكن أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 سوى محاولة من الاتحاد السوفيتي لإنهاء الفجوة في بعض مسارات التسلح مع الولايات المتحدة.

وبعيدًا عن الخوض في المزيد من تفاصيل حالات تطبيق مفهوم الردع- وهي عديدة - فإنه من المهم القول إن نجاح تلك الاستراتيجية تتطلب شروطًا ثلاثة أولها: تحديد السلوك المحظور وتكلفته والذي إن لجأ إليه الطرف الآخر فإن ذلك يعني تجاوز الخطوط الحمراء في الصراع، وثانيها: إظهار من يوجه التهديد بالقدرة على تنفيذ تهديده بالفعل، وثالثها: ضرورة تناسب التهديد مع السلوك العدائي المتوقع بما يكسبه مصداقية وواقعية.

وفي خضم الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران فإن التساؤل المثار هو هل مثلت الإجراءات التي اتخذتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها من دول الخليج رادعًا للسلوك الإيراني؟ بل والأهم ما تأثير ذلك على مسار الأزمة مستقبلاً؟

وللإجابة على التساؤل الأول يمكن القول إن تلك الأزمة جسدت بوضوح مفهوم الردع، إذ إن المتتبع للخطاب الإيراني قبيل إرسال الولايات المتحدة حاملة الطائرات للمنطقة وتأكيد مسؤوليها على أنهم لن يسمحوا لإيران بزعزعة أمن واستقرار المنطقة يجد تحولاً في ذلك الخطاب، فبادئ ذي بدء دول الخليج ومعها الولايات المتحدة الأمريكية قد حددت بوضوح السلوك المحظور والذي يعد بمنزلة إعلان حرب وهو تهديد الملاحة في مضيق هرمز بأي شكل من الأشكال، بالإضافة إلى الاعتداء على المصالح الأمريكية في المنطقة، أو استهداف أمن شركائها من دول الخليج، من ناحية ثانية اقترن الخطاب الأمريكي والخليجي بإجراءات عملية ملموسة ابتداءً بتعزيز الحضور العسكري الأمريكي في الخليج وإجراء مناورات بحرية في بحر العرب مرورًا بتوقيع دولة الإمارات العربية المتحدة اتفاقية للتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة الأمريكية وما لذلك من دلالات في ظل تعرض سفن تجارية لهجوم إرهابي بالقرب من المياه الإقليمية الإماراتية وتأكيد مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون بالقول «إنه من شبه المؤكد أن إيران هي التي تقف وراء ذلك الهجوم»، ووصولاً إلى تصريح عادل الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية بالمملكة العربية السعودية بالقول «لا نريد حربًا ولكننا سندافع عن مصالحنا».

من ناحية ثالثة فإنه بتحليل الخطاب الأمريكي والخليجي منذ بداية التصعيد في تلك الأزمة نجد أنه اقترن بممارسات على أرض الواقع بما يمنحه مصداقية وقدرة على التنفيذ سواء من حيث إعلان الدول الخليجية جاهزيتها للدفاع عن أمنها القومي وهو ما اتضح من البيانات الرسمية التي صدرت سواء عن بعض مجالس الوزراء أو بعض مسؤولي دول الخليج، أو بالنسبة إلى قدرة تلك الدول على حشد ثلاث دوائر ضد الممارسات الإيرانية عبرت عنها القمم الثلاث الخليجية والعربية والإسلامية التي استضافتها المملكة العربية السعودية نهاية مايو الماضي. 

وللإجابة عن التساؤل الثاني فإنه مما لاشك فيه أن تحقيق مفهوم الردع على أرض الواقع من شأنه تغيير مسار الأزمة بشكل تام، حيث إن غياب الردع مرادف للتصعيد غير المحسوب، ويقدم التاريخ مثالين مهمين الأول: وجود الردع حال دون تطور الأزمة على نحو كارثي، وتقدم أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 مثالا واضحا لذلك، فعلى الرغم من مطالب الاتحاد السوفيتي آنذاك بإنهاء تلك الأزمة فإنه كان يدرك تمامًا مظاهر القوة لدى الولايات المتحدة وخاصة الرؤوس النووية الأمر الذي جنب العالم مواجهة نووية محتملة، والثاني: غياب الردع كان سببًا في تطور الأزمة على نحو خطر وهو ما تمثل في الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990 بالنظر إلى الخلل في توازن القوى بين دول الخليج والعراق آنذاك وغياب قوة ردع حقيقية.

 وتأسيسًا على ذلك فإن الأثر المباشر لتحقق الردع في مسار الأزمات هو إيجاد خيارات أخرى بعيدًا عن المواجهة العسكرية ليس أقلها الإبقاء على آلية التفاوض حيث لوحظ أنه في أعقاب الإجراءات الأمريكية والخليجية لتحقيق الردع أن موضوع التفاوض أضحى جزءًا من الخطاب الرسمي الأمريكي والإيراني أخذًا في الاعتبار تبادل الطرفين شرط «تغيير السلوك» كمتطلب رئيسي لهذا التفاوض- وذلك حتى كتابة هذه السطور - صحيح أن إيران لم تتوقف عن محاولة إبراز أن لديها قوة ذاتية سواء من خلال الإعلان عن مخبأ سري للصواريخ الباليستية «قيام 1»، أو نشر الحرس الثوري صواريخ أرض جو في ضواحي طهران إلا أن ذلك لا ينفي أن خيار الحوار لا يزال مطروحًا على الطاولة وتأكيد كل من الطرفين عدم سعيهما للحرب إلا إذا تم استهداف مصالح أي منهما.

ومع أن إجراءات الردع التي اتخذتها دول الخليج ليست وقتية أو عابرة بل إنها جزء من استراتيجية متكاملة بدأتها تلك الدول لتحقيق توازن القوى الإقليمي سواء من خلال التحالفات التي أسستها أو تعزيز شراكاتها الدفاعية مع الدول الكبرى فإن ثمة إجراءات ثلاثة يجب أن تتوازى مع تطبيق مفهوم الردع حتى يؤتي ثماره الأولى: استثمار الموقف الأمريكي الراهن تجاه إيران بمحاولة توسيع الدائرة الدولية الضاغطة على إيران من خلال إيضاح خطورة المشروع الإيراني الذي لا يختزل في المسألة النووية، والثانية: تسليط الضوء على العلاقة بين إيران والمليشيات المسلحة التي تدعمها في دول الجوار والتي تمثل خطرًا بالغًا على مصالح الدول الغربية في المنطقة، والثالثة: أهمية تعزيز الحوار مع روسيا وخاصة في ظل ما تردد عن رفض روسيا طلبًا إيرانيا بشراء منظومة صواريخ إس 400.

وخلاصة ما سبق أن الردع يؤدي دورًا مهما للغاية في الأزمات للحيلولة دون ولوجها نحو الخيار العسكري، كما أن فعالية الردع تظل تعمل طالما لم يقم أي من طرفي الأزمة بتنفيذ تهديده على أرض الواقع من خلال عمل غير محسوب العواقب. 

 

‭{‬ مدير برنامج الدراسات الاستراتيجية والدولية

 بمركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news