العدد : ١٥١٥٦ - السبت ٢١ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٦ - السبت ٢١ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤١هـ

مقالات

من الزقازيق إلى المنامة

بقلم: إبراهيم المناعي

الأحد ٠٩ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

الأستاذ لطفي نصر يروي محطات من سيرته الذاتية

تعرفت عليه منذ أكثر من عشرين عاماً. رجل وقور بمثابة الوالد وهو يقف أمامك بكل مودةٍ وصرامة. استأذنت منه منذ بضع سنوات ان يحكي لي فصولا من سيرته الذاتية لكي أرويها للناس كقدوةٍ صالحة للشباب المكافح في حقل الصحافة، فوافق -رحمه الله- بكل سرورٍ ومحبة. يقول وهو يستعيد الذكريات باسما:

(ولدتُ بتاريخ 5 نوفمبر 1937 في إحدى قرى مصر الريفية وتدعى قرية (النخّاس) مركز الزقازيق/ محافظة الشرقية، في أسرة متوسطة الحال ومكونة من ستة أولاد وثلاث بنات. كنتُ أنا الأكبر سناً بين الأولاد. وكان والدي -رحمه الله- المتكفّل الوحيد لهذه الأسرة، وكان الوالد قد تلقى تعليمه في الأزهر الشريف، وعاش وقوراً بين قومه وهو يختال بينهم بالجلباب والعمة الأزهرية، وقد مارس مهنة الزراعة وتجارة الأقمشة. 

بدأتُ حياتي التعليمية لدى (الكتاتيب) في القرية، وقد أبديتُ نباهةً وتفوقاً في دراستي. ثم في عام 1952 حصلتُ على الشهادة الابتدائية من مدرسة (النجاح الخيرية الابتدائية) الواقعة في مركز المحافظة. وقد كان لزاماً عليّ وأنا طفلٌ صغير أن أصحو باكراً جداً، وأن استقل القطار المُتجه إلى مركز المحافظة يومياً، ذهاباً وإيابا، كي أصِل إلى المدرسة وأعود إلى بيتنا، حاملا حقيبتي المدرسية وأحلامي معي. ثم حصلتُ على الشهادة الثانوية من مدرسة (الزقازيق الثانوية للبنين) في عام 1957 بتقديرٍ عال. كما كنتُ دائماً الطالب المجتهد والمتفوق على أقراني في مختلف المراحل التعليمية، ما جعل والدي الأزهري يصّر عليّ ويحثني على مواصلة الدراسة والذهاب إلى القاهرة للحصول على الشهادة الجامعية، وتحقيق الحلم الذي كان يتمناه والدي كما تتمناه أسرتي الصغيرة. عندما ذهبتُ إلى (جامعة القاهرة) كانت ميولي تتجه نحو دراسة الحقوق، ولكن والدي كان يتمنى على ابنه ان يصبح مُعلماً، إذ كان للمعلم في تلك السنين شأن عظيم ومقام رفيع، وطلب مني ان ألتحق بكلية الآداب. وفي صيف 1957 تم له ما أراد والتحقتُ بكلية الآداب قسم التحرير والترجمة والصحافة، حيث التقيتُ للمرة الأولى وجهاً لوجه الشخص الذي احتضن موهبتي في الكتابة، وفتح لي عالم الصحافة على مصراعيه، وقدم لي الدعم والتشجيع. إنه المحاضر بالكلية آنذاك والأستاذ الكبير (مصطفى أمين)، أحد أبرز الصحفيين في مصر ومؤسس دار أخبار اليوم، إذ تقدمتُ له بطلب الانضمام إلى أسرة التحرير في الصحيفة، ولما وجد الأستاذ مصطفى الجدية والالتزام والموهبة لديّ تم تعييني في قسم (الأبحاث) في الصحيفة، وخصّص لي (مكافأة متدرب) بواقع 6 جنيهات شهريا. وقد كان في هذا المبلغ الخير والبركة، إذ وفّر على أسرتي المبلغ الشهري الذي كان يرسله إلي والدي، وهو أيضاً 6 جنيهات!

تخرجتُ في عام 1961 في الجامعة، وعُيّنتُ رسمياً في دار «أخبار اليوم»، ونُقلتُ إلى (قسم الأخبار)، وكنتُ أغطي أخبار (مجلس الدولة). ومارستُ هواية (التحقيقات الصحفية) في الجريدة. وأصبحتُ شيئاً فشيئاً مُتمرّساً في عملي الصحفي حتى خُصّصت لي زاوية في الجريدة ذاتها تسمى (موسوعة العاملين). وهي الزاوية التي تُعنى بشؤون العمل والعمال، وقد أعطتني مسؤولية إعداد هذه الزاوية المُتخصّصة البعد القانوني والمعرفيّ عن قوانين العمل والعمال في القطاعين العام والخاص. كما أنها الزاوية التي حققت لي الشهرة الواسعة بين الطبقة العاملة في المجتمع المصري من عمال وموظفين على مستوى الجمهورية. وأصبحت القوى العاملة في القطاعين تنظر إليّ بكثيرٍ من الود والتقدير والاعتزاز، وترى في قلمي الصحفي الشجاع المدافع عن مصالحها، والمحامي الذي يستطيع بدرايته وفهمه القانوني أن يأتي لها بالحقوق والامتيازات.

واستمر بي الحال صحفياً مُتمرساً في دار «أخبار اليوم» طوال الستينيات حتى منتصف السبعينيات، عندما استلمتُ مكالمة هاتفية عام 1974 من زميلي الصحفي والأستاذ القدير (حافظ إمام) -رحمه الله- يدعوني من خلالها إلى المجيء إلى البحرين للمساهمة في إصدار جريدة «أخبار الخليج». وفي العاشر من شهر نوفمبر عام 1975 وصلتُ إلى البحرين، وكان برفقتي كل من الأستاذ محمد العزب موسى، والأستاذ أحمد عبدالغني، والأستاذ سيد حجازي، رحمهم الله جميعا.

وصلتُ إلى البحرين وفي نيتي أن يكون البقاء فيها عامين أو ثلاثة. ولذلك كانت زيارتي للبحرين مجرد إجازة بعامين من عملي في دار أخبار اليوم. ولكن الذي حدث بعد ذلك هو أنني قد آثرتُ البقاء في البحرين ما تبّقى لي من عمرٍ بإذن الله تعالى، إذ عشقتُ البحرين ووجدتُ فيها الدفء والعيش الكريم، كما وجدتُ بين أهلها المودة والألفة والأمن والأمان طوال العقود الأربعة الماضية.

أكتفي هنا بسرد بعض من محطات سيرة أستاذنا الفاضل لطفي نصر، رحمه الله وغفر له، وأود ان أشير إلى أنّ الأستاذ لطفي قد عمل في أخبار الخليج صحفياً جادّاً مثابرا، وأميناً مُلتزماً بخطها القومي العروبيّ. وكان معنياً بتغطية أخبار الدولة من خلال الاتصال المباشر بالوزراء وكبار المسؤولين في المؤسسات الحكومية. ولما كان دمث الأخلاق وراقي الطباع فقد أحبّه المسؤولون، وفتحوا له أبوابهم وقلوبهم، وتفاعلوا معه ومع رسالته الصحفية النبيلة، وحقق بذلك التفوق والنجاح للجريدة. فهو صاحب القلم الصادق الأمين على مصالح الوطن والمواطنين. 

منذ عام 1975 حتى هذا العام، وطوال 44 عاماً وأستاذنا الفاضل (لطفي نصر) ظل كالنهر المتدفق، ينهمر عطاءً ومحبةً للبحرين وأهلها. ورغم أنه قد عُرض عليه العمل في صحيفة (الاتحاد) الإماراتية في أبوظبي منذ زمن، بعقدٍ مُغرٍ، يفوق أضعافاً ما يتقاضاه في البحرين، فإنه آثر البقاء في وطنه الذي أحبه (البحرين)، مُخلصا للبحرين وقيادتها وشعبها، ووفياً لصحيفته التي هو ماسكٌ بناصيتها بكل قوة ومودة، حتى توفاه الله تعالى في الأيام الأخيرة من رمضان الفائت، مُخلفاً فينا حسرةً وألماً عميقاً على هذا الفقد الكبير.

رحم الله الأستاذ/ لطفي نصر.

وإذا كان لنا من تمنّ على المسؤولين في الدولة تجاه هذا الرجل الفاضل، فنحنُ نأمل ان يتم تكريم هذا الرجل وتقديره بتخليد اسمه على إحدى القاعات الصحفية أو الإعلامية في إحدى مؤسسات الدولة أو جامعاتها أو على منابرها وصالاتها الثقافية العامة، تقديراً لهذه القامة الصحفية الكبيرة التي كانت عموداً متيناً من أعمدة الصحافة البحرينية الغراء، ووفاءً لعطائه للبحرين وأهلها. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news