العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

علم النفس الحربي!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٠٩ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

النفس البشرية عالم مليء بالأسرار ولا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى لأنه سبحانه هو خالقها، وهو أقرب إليها من حبل الوريد، وهو جل جلاله يعلم ما توسوس به النفوس، ويعلم سبحانه خطراتها، من هنا ندرك أن علم النفس القائم على آيات الله تعالى في النفس البشرية، وما يدور في عالمها الرحب من صراع بين النفس وبين الشيطان الذي يحاول بشتى السبل أن يكون ولاء النفس له، وأن تكون الوجهة التي يريد وجهته هو، ويفرض عليها الأحوال التي تناسب ما ينوي لها من شر، والله تعالى عندما خلق النفس البشرية، خلقها على حال الاستقامة، قال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) التين/4.

ولكن هل بقيت النفس الإنسانية على استقامتها أم تغيرت أحوالها؟ 

لقد طرأت على النفس البشرية عدة طوارئ غيرت مسارها، فتغيرت أحوالها من الهداية إلى الضلال، ومن الصحة النفسية إلى السقم، وهي -أي النفس - لها أحوال ثماني، وهي كما ذكرها القرآن الكريم: النفس الأمَّارة بالسوء، والنفس الفاجرة، والنفس اللوَّامة، والنفس الزكية، والنفس التقية، والنفس الراضية، والنفس المرضية، والنفس المطمئنة.

جاء ذكر النفس الأولى وهي النفس الأمَّارة بالسوء في قوله تعالى: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمَّارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) يوسف/53.

وأما النفس الفاجرة والتقية والزكية فقد جاء ذكرها في قوله تعالى: (ونفس وما سواها(7) فألهمها فجورها وتقواها(8) قد أفلح من زكاها(9) وقد خاب من دساها(10)) الشمس.

أما النفس اللوَّامة فقد جاءت الإشارة إليها في قوله تعالى: (لا أقسم بيوم القيامة(1) ولا أقسم بالنفس اللوَّامة(2)) القيامة، وجاء ذكر الثلاث حالات الباقية، وهي النفس الراضية والمرضية والمطمئنة في سورة الفجر في قوله سبحانه؛ (يا أيتها النفس المطمئنة(27) ارجعي إلى ربك راضية مرضية(28) فادخلي في عبادي(29) وادخلي جنتي(30)).

هذه هي أحوال النفس التي جاء ذكرها في القرآن الكريم، وهي تحدد معالم النفس البشرية وما يعتريها من تغير، ومن هذه الأحوال هناك ست حالات تكون للإنسان عونًا، تشد من أزره، وتيسر له سبل الاستقامة سواء في السلم أو في الحرب، ومن الممكن أن نستخلص من هذه الحالات علم نفس راقيا في السلم والحرب، وحديثنا اليوم عن علم النفس في حالة الحرب حين تتغير أحوال النفس من السلم إلى الحرب، ومن الشدة إلى الضعف، ومن الأمن إلى الخوف، ومعلوم أن النفس في حالة السلم أكثر توازنًا منها في حالة الحرب حين تواجه الأحداث.

إن النفس في حالة الحرب تطرأ عليها أمور تحتاج إلى مزيد من الصبر والمصابرة، وكان للعامل النفسي أثناء الحروب التي خاضها المسلمون دور مهم جدًا في تثبيت المسلمين، ورضي الله تعالى عن القائد الملهم خالد بن الوليد الذي سمع جنديا في جيشه يقول حين رأى جيش الروم وعدده الضخم: ما أكثر الروم وأقل المسلمين! وهذا صحيح في حساب العدد، ولكنه في حساب المآل ليس صحيحًا، فقال له خالد: بل قل ما أكثر المسلمين وأقل الروم، فإن الجيش يكثر بالنصر ويقل بالهزيمة! وكان رضوان الله تعالى عليه يتعاهد جنده بالرعاية النفسية، ولقد سمعه الجند يومًا يقول لقائد الجيش الروماني: جئتك بقوم يحبون الموت كما يحب أعداؤهم الحياة!.

لا شك حين يسمع الجند من قائدهم مثل هذه الأقوال المبنية على الإيمان بالله تعالى، وصدق التوكل عليه سبحانه، لا شك أن أحوالهم النفسية تتحسن، ويلاقون عدوهم بنفس واثقة من نصر الله تعالى لهم، وقلوب رابطة الجأش.

وفي كلمات قلائل ولكنها تحمل الكثير من المعاني ودع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) الجيش الذاهب إلى ساحات الجهاد من أجل إعادة التوازن النفسي إلى الجيش، ورفع روحهم المعنوية، قال (رضي الله عنه): أيها الناس إن الله تعالى قد أعزنا بالإسلام ولو طلبنا العزة في غيره لم يزدنا إلا ذلاً، واعلموا أنكم تنتصرون على عدوكم بطاعتكم لله ومعصيتهم له، فإذا تساويتم معهم في المعصية كانت الغلبة لهم لأنهم أكثر منكم عدة وعددا!.

صدقت يا أمير المؤمنين، فإن على قائد الجيش أن يكون أخوف على جيشه من المعاصي أكثر من خوفه عليهم من عدوهم.

الله تعالى يعلم أن الإنسان في حالة الحرب والخوف يكون أحوج إلى الدعم النفسي منه إلى الدعم اللوجستي المادي، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) الأنفال.

وتشجيعًا من الله تعالى لعباده المؤمنين حتى يلاقوا عدوهم بنفس مطمئنة إلى النصر يدخل في روعهم تعديلا يعيد التوازن النفسي إليهم، يقول سبحانه وتعالى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44)) الأنفال/44.

من أجل أن تتحقق المواجهة بين الفريقين لحكمة يريدها الله تعالى يغير من أحوال الفريقين النفسية في أعينهما، فيرى المؤمنون أعداءهم قلة ليشجعهم ذلك على الإقدام، كما أنه سبحانه يجعل الأعداء يرون المؤمنين قلة، فيشجعهم ذلك على خوض المعركة من دون تردد اعتقادًا منهم أن النصر سيكون حليفهم، فتتحقق الحكمة التي يريدها الله تعالى من وراء ذلك.

أما حين يريد الحق سبحانه ردع العدو عن الإقدام على الحرب يحض المؤمنين على إعداد العدة لعدوهم، فيستشعر العدو قوة خصمه، فيردعه ذلك عن الحرب، وحدث هذا عندما أعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الجيش لمواجهة الروم حين علم بنيتهم في حرب المسلمين، فلما علمت الروم باستعداد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهم عدلوا عن الحرب، قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) الأنفال/60.

هذه الآيات للترهيب ، ولمنع الحرب قبل وقوعها ذلك لأن الحرب في الإسلام ليست غاية كما يقول الأستاذ عباس محمود العقَّاد، بل وسيلة قد يستعاض عنها بالترهيب النفسي، وكفى المؤمنين شر القتال.

هذه هي محاولة نرجو لها السداد والتوفيق في الحديث عن علم نفس يتعلق بالحرب وما يدور فيها من حرب نفسية تكفي المؤمنين شر القتال لأن الإسلام دائمًا يسعى إلى حل خلافاته مع الآخر بالطرق السلمية، والحرب عنده استثناء يلجأ إليها عند الضرورة، إنما القاعدة، والسياسة التي يتبعها هي: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) العنكبوت/46.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news