العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

قضايا و آراء

مفارقات غرائبية في عالم الشعر والإبداع!

بقلم: د. يحيى عبدالقادر

الأحد ٠٩ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

رحم الله المؤرخ العظيم عبدالرحمن الجبرتي الذي قدم لنا مؤلفه الشهير (عجائب الآثار في التراجم والأخبار). بالرغم من رحيل الجبرتي عام 1825 إلا أن ذكراه لا تزال تتردد كلما لاح لي بعض من مظاهر التدليس المعاصر. دعاني صديقي المستشار محفوظ رضوان لننعم بروائع الموسيقى الشرقية الكلاسيكية في معهد الموسيقى العربية. كان فريق من العازفين يشدو بأغاني عبدالوهاب وأم كلثوم وفيروز وأسمهان وليلى مراد وفريد والعندليب.

على خشبة المسرح تألقت مطربة حسناء شابة ترتدي ثوبا مزركشا مبرقشا خلابا وقد صفت شعرها بأسلوب ساحر فتحسب أنك تشاهد بلقيس ملكة سبأ التي مهد لها عرشها الجان من جنود سليمان عليه السلام أو كأنها الخنساء شاعرة العرب في الزمن الجاهلي السحيق. ضجت القاعة بالتصفيق حين انتهت قيثارة الغناء (فيحـاء) من شدوها العذب الرقيق وسألتها سيدة مولعة بفنها العريق لماذا كانت (فيحاء) تنظر إلى أعلى وتحلق في ملكوت السماء وهى تشدو برائعة كوكب الشرق أم كلثوم. أجابت (فيحاء) إجابة أبهرت العلماء وحيرت النبهاء ومن المؤكد أنها حيرت العقلاء أيضا.

- (لقد نظم الشاعر السوداني الهادي آدم قصيدته العصماء «أغدا ألقاك» قبل أن يتوجه إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة العمرة لكن السيدة أم كلثوم استدعته للاتفاق على أن تشدو بكلمات قصيدته العذبة الساحرة)

- إذن القصيدة دينية وليست عاطفية غرامية!! 

- القصيدة كانت في مدح الرسول «عليه الصلاة والسلام»!

استولت علي نوبة من الضحك المباح لكن جلال مقام الموسيقى الشرقية وروعة الألحان ألجمني حتى أفتش عن كلمات القصيدة حتى لا نفتن في ثوابت العقيدة ونخلط بين أغاني العشق ومقامات الصبا والحجاز.

اختلط الأمر على المطربة الشابة وحملت الشاعر السوداني الراحل الهادي آدم (1927 -2006) مالا طاقة له به. فالقصيدة غرامية عاطفية وليس لها علاقة بشعائر العمرة أو الطواف بالأراضي المقدسة. ولما كانت (فيحاء) في نشوة الطرب والبهاء فقد أضافت أن أغنية (أنت عمري) للشاعر أحمد شفيق كامل (1929 – 2008) قد ألفها أيضا وهو يستعد لزيارة بيت الله الحرام! يبدو لمن يعمل في خدمات السفر والسياحة أن المطربة الحسناء تعمل لحساب إحدى شركات السياحة التي تروج لرحلات العمرة والحج على مدار العام وأن خشبة المسرح ليست سوى منصة للتشجيع على زيارة مدينة الرسول الكريم ( عليه الصلاة والسلام)  وبطحاء مكة والحطيم وزمزم، وهي، لعمري،  أجل وأكرم وأنبل مهمة يمكن القيام بها وإذا كانت كذلك - ولو جاءت من بوابة الفن - فإنها بلا مراء تستحق كل التحية والتقدير.

من جانب آخر، ربما كانت المنشدة الغنائية تقوم بتلك الجهود تطوعا لبث السكينة في قلوب عشاق الموسيقى حتى يدركوا أن الغناء حلال وأن الطرب يقود إلى أعمال صالحة جليلة طالما أن الألحان لا تحرك لواعج الهوى في نفوس الحاضرين.

الآن فقط أدركت السر وراء رائعة عبدالوهاب (يا مسافر وحدك وفايتنى) لربما كان عبدالوهاب قد قرر زيارة الأراضي المقدسة إلا أن رفيقه انطلق مبكرا وتخلى عن عبدالوهاب ليشدو وحيدا وحزينا (يا مسافر وحدك). العجيب أن صديقا روى لي منذ زمن بعيد أن  الشاعر الراحل (أحمد شفيق كامل) كان مستشارا تجاريا في المكتب التجاري لمصر في أسطنبول وأنه قام بتأليف كلمات (أنت عمري) وهو يتأمل مياه البوسفور التي تتدفق حتى تصب في مضيق الدردنيل!!!

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news