العدد : ١٥٢٤٢ - الاثنين ١٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٢ - الاثنين ١٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

شرق و غرب

واقع التعليم في سوريا

السبت ٠٨ يونيو ٢٠١٩ - 10:51

 بعد مرور ثمانية أعوام على اندلاع الحرب الأهلية المدمرة أصبح النظام التعليمي في سوريا في حالة كارثية. فقد أظهرت الأرقام الإحصائية أن قرابة ثلاثة ملايين طفل سوري ممن هم في سن التمدرس لم يلتحقوا بمقاعد الدراسة، وهو ما يمثل ثلث العدد الإجمالي.

يعود السبب في هذه الوضعية الكارثية إلى تداعيات الحرب الأهلية المدمرة، التي جعلت قرابة 40% من المدارس في سوريا غير قابلة للاستخدام. فقد لحقت أضرار فادحة بهذه المدارس التي استخدمتها أيضا الجماعات المسلحة أو المهجرين، والذين فروا من مناطقهم بسبب احتدام القتال. 

أما بقية المدارس التي لا تزال صالحة للاستخدام فهي تعاني من الاكتظاظ الشديد والنقص الفادح في المدرسين، فقد فر 150 ألفا من رجال التعليم أو قتلوا في أتون الحرب. 

لا غرابة أن الطلاب في سوريا باتوا متأخرين في تحصيلهم وتدنت مستوياتهم بشكل مريع. فالطلاب في سن العاشرة من أعمارهم لا يجيدون القراءة وهو في مستوى الأطفال ممن هم في سن الخامسة في الدول المتقدمة - ذلك ما ذكرته في تقاريرها منظمة «أنقذوا الطفولة» المختصة بتقديم مساعدات الإغاثة الإنسانية. أما معدلات الأمية في سوريا فقد سجلت ارتفاعا كبيرا. 

لا شك أن التداعيات الناجمة عن هذا الانهيار قاتمة وتنذر بالخطر. فالسوريون لا يملكون اليوم المهارات اللازمة والقدرات الضرورية التي تمكنهم من إعادة بناء بلادهم التي دمرت أجزاء واسعة منها، علما أن 80% من السوريين قد أصبحوا يعيشون في فقر مدقع. 

أصبح السوريون من غير المتعلمين فريسة للجهاديين من ناحية ورجال المليشيات المسلحة من ناحية ثانية والذين يقدمون لهم المال وبعض القوة. أما نظام بشار الأسد فإنه يدخلهم في صفوف الجيش السوري. 

لحق الدمار العارم بالمدارس ومختلف المؤسسات التعليمية الأخرى، ما دفع الكثير من العائلات السورية الميسورة إلى مغادرة البلاد. أما أولئك الذي غادروا سوريا منذ بداية الحرب الأهلية فقد فضلوا مواصلة البقاء في أماكن لجوئهم. 

يقول رياض نجم المسؤول في جمعية «حراس»، وهي مؤسسة خيرية تقدم الدعم والمساعدة لأكثر من 350 مدرسة في مختلف المناطق السورية: «سنلمس النتائج الكارثية خلال العقد القادم ذلك أن الأطفال سيكبرون ويبلغون سن الرشد. عندها سنرى تبعات الجيل الضائع من السوريين». 

يوجد اليوم في سوريا ما لا يقل عن سبعة مناهج دراسية متنافسة. فقد أطلق خصوم ومعارضو نظام بشار الأسد حملة ترمي إلى «تطهير» المناهج التعليمية وإزالة كل ما يشير إلى حزب البعث السوري الحاكم غير أنهم اختلفوا حول طبيعة المنهج الدراسي الذي سيعوضه.

أما الأكراد الذي يسيطرون على شمال شرق سوريا ويحظون بدعم الولايات المتحدة الأمريكية فقد فرضوا بدورهم منهجا خاصا بهم، يخلو من أي إشارة أو ثناء على سلالة الأسد واستبدلوا ذلك بعبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني الذي يقبع في السجون التركية منذ عدة أعوام. 

أما الأتراك فقد افتتحوا بدورهم إحدى عشرة مدرسة دينية ثانوية في المناطق التي يسيطرون عليها في داخل الأراضي السورية. ومن جهتها فقد فتحت الكنيسة الأرثوذكسية مدارس خاصة بها وكذلك فعلت هيئة تحرير الشام وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام «داعش».

كلما تغيرت جبهات الحرب وجد الأطفال السوريون أنفسهم مضطرين للتنقل من منطقة إلى أخرى ومن ثم تغيير المناهج الدراسية. لذلك فإن الشهادات التي يحصلون عليها لا يعترف بها في المنطقة الأخرى التي تعتمد منهجا دراسيا مختلفا. 

وبطبيعة الحال فإنه من الصعب على الطلبة الدخول إلى الجامعات التي يوجد أغلبهم في المناطق التي يسيطر عليها النظام الحاكم في دمشق. لذلك يضطر الكثير من الطلاب إلى الانقطاع عن التعليم وعدم مواصلة الدراسة الجامعية في ظل هذه الظروف الصعبة. 

تشير الأرقام الإحصائية الموثقة في بعض مناطق البلاد السورية إلى أن 50% من الأطفال يغادرون المدارس في سن الثالثة عشرة فيما يغادر 80% من الأطفال مقاعد الدراسة في سن السادسة عشرة. في بعض الأحيان يضطر أولياء الأمور والعائلات التي تعيش في ضنك العيش لسحب الكثير من أطفالهم من مقاعد الدراسة من أجل تزويجهم أو إرسالهم للعمل في الشوارع والطرقات. 

ورد في تقارير عالمية أيضا أن أكثر من ثلث أطفال الحرب في سوريا باتوا يواجهون خطر التحوّل إلى جيل أمّي أو في أحسن الأحوال من غير المتعلمين الذين لا يكادون يعرفون القراءة والكتابة. 

تشير التقديرات أيضا إلى أن 2.8 مليون طفل غير مسجلين في المدارس في سوريا ودول الجوار من أصل 8 ملايين طفل سوري وسط تحذيرات قوية بأن معضلة الأمية قد استفحلت وباتت تهدد جيل الحرب.

يذكر أيضا أن منظمة اليونيسيف قد أفادت في آخر تقاريرها حول واقع التعليم في سوريا في ظل الحرب الأهلية بأن 2.1 مليون طفل سوري يعيشون خارج مقاعد الدراسة في سوريا، بينما يقدّر عدد المتسربين من مواطنيها في دول الجوار التي لجأوا إليها بنحو 700 ألف، وهم يتوزعون بين لبنان وتركيا والعراق ومصر.

يرسم هارون أوندر من البنك الدولي صورة قاتمة وهو يقول: «إن هؤلاء الأطفال سيكسبون المال طوال حياتهم من عملهم في الشارع كما أنهم سيربون أطفالهم للقيام بنفس الشيء بعد ذلك».

امتنعت الدول الغربية المانحة عن تقديم المساعدات للسكان في الأماكن الخاضعة للمسلحين من أجل تجنب الجماعات المسلحة مثل هيئة تحرير الشام التي تسيطر على محافظة إدلب. 

في سنة 2017 قرر الاتحاد الأوروبي بدوره التوقف عن تقديم المساعدات الإنسانية في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري علما أن الاتحاد الأوروبي قد استثمر ملياري يورو في دعم النظام التعليمي السوري منذ سنة 2012. 

تم التخطيط لتدريب المدرسين السوريين في الجامعة الأمريكية في بيروت لكن تم تأجيل البرنامج بعد أن قرر الاتحاد الأوروبي تعليق المساعدات الإنسانية التي كان يقدمها. قال أحد المسؤولين: «لا نريد أن نفعل أي شيء من شأنه أن يضفي الشرعية على النظام أو على الإرهابيين». 

في الحقيقة فإن تعليق المساعدات من شأنه أن يأتي بنتائج عكسية، ذلك أن السوريين سيرتمون  في أحضان الجماعات المسلحة. أما ماس المفتي الخبيرة التربوية التي تعمل في العاصمة السورية دمشق فتقول محذرة من المستقبل القاتم الذي ينتظر جيلا سوريا بأسره: «إننا ننتج حلقة جديدة من التطرف والعنف».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news