العدد : ١٥٢٤٢ - الاثنين ١٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٤٢ - الاثنين ١٦ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

شرق و غرب

مصر بين تحدي التنمية والتزايد السكاني

بقلم: جينا لوبرا

السبت ٠٨ يونيو ٢٠١٩ - 10:50

 

تحاول سلطات القاهرة أن تحتوي القنبلة الديمغرافية التي باتت تشكل تحديا كبيرا يزيد من الضغوط على جهود التنمية في بلاد يناهز عدد سكانها المائة مليون نسمة. فقد أظهرت الأرقام الإحصائية أن أرض الكنانة تشهد حالة ولادة جديدة في كل 15 ثانية. لذلك فقد وضعت سلطات القاهرة برنامجا تحسيسيا يجمع بين التوعية من ناحية وفرض العقوبات المالية من ناحية ثانية وذلك في إطار الجهود الرامية إلى التحكم في نسبة التزايد السكاني. 

في شهر يوليو 2017 احتضنت مصر المؤتمر العالمي للشباب وقد ألقى الرئيس عبدالفتاح السيسي خطابا مهما بهذه المناسبة قال فيه على وجه الخصوص: «تواجه بلادنا تهديدين رئيسيين اثنين: الإرهاب والتزايد السكاني الكبير» وقد حذر من خطر التزايد الديموغرافي المفرط على موارد البلاد والسياسات الإنمائية. 

يبلغ معدل الخصوبة في مصر 4 أطفال عن كل امرأة، علما أن السكان يتزايدون كل سنة بما يناهز 2.2 مليون نسمة، وهي ما يمثل 2.3 %. إذا تواصل الأمر على هذه الوتيرة فإن عدد السكان قد يصل إلى 128 مليون نسمة بحلول سنة 2030. 

أما منظمة الأمم المتحدة فقد قالت إنه إذا لم تنجح سلطات القاهرة في كبح نسبة التزايد السكاني فإن مصر ستكون في حاجة إلى 400 ألف طبيب وأكثر من مليون مدرس إضافي خلال الأعوام العشرة القادمة. ستكون البلاد في حاجة أيضا إلى خلق عشرات الآلاف من الوظائف علما أن سوق العمل لم يستطع استيعاب 800 ألف خريج جديد. 

يقول أحد المسؤولين المصريين: «في مصر يولد طفل كل 15 ثانية، ما يعني أكثر من مليوني حالة ولادة في السنة. تصوروا تداعيات مثل هذا التحدي الديمغرافي في المستقبل على المدارس والمستشفيات والأدوية والعديد من الحقوق الأخرى التي يتمتع بها الطفل».

يقول الخبراء إنه بات يتعين على مصر أن تتحكم في نسبة التزايد السكاني إذا كانت تريد أن تنجح في تحقيق التوازن المالي والاقتصادي. لذلك فقد وضعت سلطات القاهرة خطة لخفض نسبة الخصوبة إلى حدود 2.4 عن كل امرأة بحلول سنة2024. 

في إطار هذه الجهود، أطلقت وزارة التضامن الاجتماعي حملة «اثنين كفاية» وذلك من أجل توعية المرأة والعائلات للحد من الإنجاب ونشر الثقافة الجنسية في صفوف الشعب المصري.

خصصت الحكومة المصرية ميزانية قدرها 75 مليون جنيه من أجل تمويل هذا البرنامج على مدى خمس سنوات وهو يستهدف أكثر من 1.3 مليون امرأة مصرية دون الخامسة والثلاثين من أعمارهن وقد أنجبن حتى الآن طفلا أو طفلين. ينتظر أن تستفيد هذه الشريحة من النسوة من برنامج «تكافل وكرامة» الذي يموله البنك الدولي بكلفة تصل إلى 350 مليون يورو وهو يرمي إلى تحسين الاندماج الاجتماعي للشرائح الهشة، وخاصة في المناطق القروية. 

أما وزارة الصحة المصرية فقد وضعت برنامجا ممولا بقيمة 10 ملايين جنيه من صندوق الأمم المتحدة للسكان من أجل النهوض ببرامج التنظيم الأسري والتحكم في الولادات، مع التركيز خاصة على صعيد مصر، وهي المنطقة التي تضم المحافظات ذات الأولوية، حيث يصل معدل الخصوبة إلى 6 أطفال، وهو المعدل الأعلى على مستوى الجمهورية المصرية. 

من ناحية ثانية، وضعت وزارة الصحة على ذمة الطواقم الطبية في مختلف أنحاء البلاد وسائل متنوعة من موانع الحمل، إضافة إلى الحبوب والحقن، وهي متوافرة بأسعار مخفضة في الصيدليات. يعتبر الأخصائيون أنه يتعين العمل على تحسين نسبة استخدام موانع الحمل وتمكين المرأة من الوصول إليها. أظهرت دراسة صادرة عن صندوق الأمم المتحدة للسكان سنة 2014 أن امرأة واحدة من كل ثلاث نساء مصريات ينقطعن عن استخدام موانع الحمل بسبب سوء فهم تأثيراتها الجانبية، إضافة إلى الثقافة التقليدية التي تسود بعض الشرائع الاجتماعية.

يعتبر بعض أطباء النساء أن هذه الحملة التوعوية جيدة غير أنها تظل غير كافية لتحقيق أهدافها المتمثلة في الحد من معدلات الإنجاب، ذلك أن العديد من النسوة لا يستطعن الوصول إلى هذه الوسائل المتاحة رغم وجود الكثير من البرامج الصحية والاجتماعية الموجهة إلى الأسر والمرأة المصرية على وجه الخصوص. على غرار العديد من الدول في منطقة الشرق الأوسط فإن مصر تعاني من قلة برامج ومناهج التربية الجنسية. 

شدد المسؤولون أيضا على أن المسألة الديمغرافية معقدة ومركبة لما تنطوي عليه من أبعاد ثقافية واجتماعية ودينية متداخلة كما أن التعليم والتوعية والوقاية والمتابعة يتعين رفدها بالتشريعات والقوانين اللازمة، والتي ترمي إلى الحد من التزايد السكاني. صحيح أن الحملات تسهم في توعية السكان والعائلات غير أنه يجب إدراج هذه الخطط في البرامج التعليمية من أجل تربية النشء على مفاهيم التنظيم الأسري والحد من الإنجاب وتحقيق الانتشار. 

تعج محطات المترو في القاهرة بالبوسترات الضخمة وقد رسمت عليها ورقة نقدية قيمتها 50 جنيها إسترلينيا مرفقة تحتها بالسؤال التالي: «هل تفضلون قسمة هذا المبلغ على 5 أم على 2؟». اعتبر الخبراء الذين يقودون هذه الحملة أنه من الأفضل التركيز على الأمور المالية ودخل العائلة بمثل هذه الشعارات والبوسترات حتى تكون الرسالة بليغة وتلقى صداها لدى الأسر المصرية. 

قررت سلطات القاهرة مند شهر يناير 2019 وقف المنح المالية عن العائلات المصرية التي يوجد فيها أكثر من طفلين اثنين. يقول أحد الخبراء إنه إذا كانت السلطات المصرية تريد أن تفرض احترام القانون فلا بد أن تفهم أولا الأسباب التي تجعل العائلات تنجب الكثير من الأطفال. 

يذهب أحد كبار المسؤولين في صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن القيم والتقاليد والنواميس الاجتماعية والثقافية في حاجة إلى أن يعاد بناؤها حتى تثمر نتائج ملموسة على أرض الواقع وتتغير من ثم ذهنية المواطن والعائلة في المجتمع المصري.

يقول هذا المسؤول إن هذا الانفجار الديموغرافي الذي تشهده مصر يعود إلى الثقافة الاجتماعية التي تربط فحولة الرجل بكثرة إنجاب الأطفال كما أن الكثير من العائلات تنجب أكثر من مرة أملا في المولود الذكر كما أن الكثير من الأسر التقليدية لا تزال حتى اليوم تعتبر أن إنجاب الكثير من الأطفال يمثل استثمارا للمستقبل. 

تعتبر الكثير من العائلات الفقيرة في المجتمع المصري- وغيره من المجتمعات التقليدية الأخرى - أنه لا بد من إنجاب الذكور كسند يوفر دخلا إضافيا للعائلات المحدودة الدخل إن لم تكن عديمة. لا ننسى أيضا طبيعة الموروث الديني الذي يشجع الكثير من العائلات المصرية على التوالد والتكاثر. 

في غياب نظام للتقاعد يشمل العائلات المعوزة فإن إنجاب الكثير من الأطفال يبيح ضرورة اجتماعية ملحة لأنهم يتولون في المستقبل مساعدة آبائهم عندما يكبرون ويصبحون طاعنين في السن. أظهرت إحدى الدراسات الحديثة أن 6% من العائلات التي أنجبت أكثر من ثلاثة أطفال تعيش تحت خط الفقر، ما يعني أن العامل الديني حاضر بقوة في الذهنية الإنجابية المصرية. 

أما العائلات التي أنجبتما بين 8 و9 أطفال فإن أكثر من 65% منها تعيش تحت خط الفقر. يقول خبراء الديمغرافيا إن هناك علاقة قوية ما بين الفقر من ناحية وكثرة الإنجاب. هذا الأمر لا يخص مصر فقط بل إنه يشمل أيضا العديد من المجتمعات البشرية الأخرى.

يدين أكثر من 92% من المصريين بالإسلام السني. لذلك يجب توعية العائلة المصرية بأن الإسلام لا يمنع وسائل الحمل والتنظيم الأسري. يعتبر الأزهر الشريف أعلى سلطة دينية في العالم الإسلامي السني وقد أبدى أكثر من مرة تأييده لخطط وسياسات التنظيم العائلي وترشيد الإنجاب مشددا على ضرورة القيام بالحملات التوعوية والوقائية. أثار شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب أن تعدد الزوجات «ظلم للمرأة» وليس «الأصل» في الإسلام وأنه مشروط ومقيد، ما أثار جدلا واسع النطاق في مصر. 

كانت تلك المرة الأولى التي يدلي فيها شيخ الأزهر بتصريح حول مسألة تعدد الزوجات منذ توليه منصبه عام 2010. فقد كانت له بعض التصريحات في 2016. خصوصا بعد أن أطلق الرئيس عبدالفتاح السيسي دعوة إلى تجديد الخطاب الديني عقب توليه السلطة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news