العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســــرديـــات: «مائةً عامٍ من العزلة»... خمسون عامًا من السرد المدهش!

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ

السبت ٠٨ يونيو ٢٠١٩ - 10:38

«للأشياء حياتها الخاصة.. وما القضية سوى إيقاظ أرواحها»

جابرييل جارسيا ماركيز «مائة عام من العزلة».

ذكر الناقد الفرنسيّ تزفيتين تودوروف في كتابه المهم «فتح أمريكا ومسألة الآخر» أنَّه عندما حاصر عشرات الآلاف من هنود أمريكا سفينة كريستوفر كولومبوس بعد تحطمها في جامايكا هدَّدهم بأنَّه سيسرق منهم القمر إذا لم يفكوا حصارهم  عن سفينته. لقد كان كولومبوس ضليعًا في علم الأنواء البحرية الذي ورثه عن عرب الأندلس، وكان على معرفة بموعد خسوف القمر.

وعندما نفّذ تهديده استسلم أمامه الهنود الحمر، وتوسلوا إليه كي يعيد إليهم إلههم القمر، وفكوا حصارهم عن سفينته: لقد خسروا قارة كاملة في مقابل احتفائهم الأسطوريّ بعودة الإله القمر إليهم! لقد تعمّدتُ إيراد هذه الحادثة التاريخيّة التي ذكرها تودوروف نقلاً عن أرشيف  وثائقيّ  ضخم خاص بالقارة الأمريكيّة وقدوم الإسبان إليها كي أبين خصوصية هذه القارة العجائبية المدهشة في احتفائها بأساطيرها التأسيسيّة!

  خمسون عامًا من التاريخ السرديّ اللاتينيّ العجائبيّ الواقعيّ السحريّ المدهش الذي دشّنه الروائيّ الكولومبيّ العالميّ جابرييل جارسيا ماركيز  بروايته «مائة عام من العزلة»، التي حصد بعد  كتابتها بخمسة عشر عامًا جائزة نوبل العالميّة للآداب عن مجمل أعمالة الروائيّة التي هي الأنموذج الأمثل والأكمل والأكثر إتقانًا لتيار الواقعيّة السحرية عند  بعض كتاب أمريكا اللاتينيّة.

صدرتْ من رواية «مائة عام من العزلة» ثلاثون مليون نسخة، وتُرجِمت إلى ثلاثين لغة من لغات العالم المختلفة.

 

وصُنٍفَت هذه الرواية بوصفها في قائمة المائة رواية المؤثِّرة في تاريخ الرواية العالميّة في القرن العشرين، ومن الروايات التي يجب أن يقرأها الإنسان المثقف قبل أن يموت.

هذه رواية تأسيسيّة عالميّة تستحق القراءة وبعمق، وتُصنف بكونها الرواية الثانية في تاريخ السرد المكتوب باللغة الإسبانيّة بعد الرواية الأولى «دون كيخوتي دي لامنتشا» للإسبانيّ ميغيل دي ثيربانتس سابيدرا التي نشرها على جزأين بين (1605-1615)، وتًعد أول رواية في تاريخ الرواية العالمية. 

في سبعينيات القرن العشرين التفتْ بعض كتاب أمريكا اللاتينيّة إلى أنَّ عالمية أدبهم تكمنً في  صدورهم عن تواريخهم المحليّة المعجونة بشغف بالأساطير والخوارق والعجائبيّة، وفي احتفاء رواياتهم بالتفاصيل البسيطة لدى الإنسان في هذه القارة، حتى في احتفائه الاستثنائيّ بكرنفالات الموت، وإقامة موائد على ضوء الشموع تمتدًّ في بيوت القرية كلها كي يسترشد بها الأموات، ويحظوا بوليمة موتهم الفاخرة.

إنَّ الزمن في هذه القارة العجائبيّة خارج عن أزمنتنا الفيزيائيّة المحدودة الصارمة، هناك التواريخ التكرارية فما يحدث للجد يتكرّر بالتفاصيل ذاتها عند الحفيد.

وعندما اشتغل الإنثروبولوجيّ الفرنسيّ كليفود ليفي شتراوس على التحليل البنيويّ للأسطورة من خلال إيجاد قالب عالميّ لها، استقى نظريته من تحليل مئات من أساطير  الهنود الحمر.

إنَّ الجاذبية السردية المؤسّسة على عنصر الشغف في رواية «مائة عام من العزلة» هي كونها تحكي سرديًا حياة عشرة عقود (قرن كامل) لسلالة بونديا في القرية المتخيّلة ماكوندو التي تنتهي حياتها من خلال أسطورة قديمة آمنت بها وبعمق أورسولا (زوجة مؤسِّس القرية وعميد آل بونديا).

ويقوم زمن هذه القرية المتخيّلة على التواريخ التكرارية «فكلما تلاشت الأحداث من ذاكرتنا أعادها الكون لكن في شخصيات وأزمنة مختلفة»، كما جاء في الرواية.

لقد استوحى ماركيز حوادث رواياته من مجتمعه الكولومبيّ بخصوصياته الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة المعقدة وبطبيعة زمنه اللاتيني الخاص الذي يفترق عن الأزمنة الأخرى لسكان العالم.

إنَّ اسم «ماكوندو» لديه هو مستوحى من اسم مزرعة موز مرَّ عليها غابرييل الصغير(غابيتو) في رحلة من رحلات طفولته ورد اسمها في ثلاثة من روايات له بوصفها قرية متخيّلة، وخاصة في روايته الشهيرة «مائة عام من العزلة».

وسيعرف غابرييل ماركيز عندما يكبر قليلاً أنَّ هذه الكلمة هي اسم شجرة استوائية تشبه شجرة السيبيا. وأنها لاتنتج أزهارًا ولاثمارًا، وخشبها الإسفنجيّ ينفع في صنع زوارق الكانوا وفي نحت أدوات مطبخية، كما اكتشف ماركيز فيما بعد، في الموسوعة البريطانيّة أنَّه توجد في تنجانيقا قبيلة الماكوندو makondos الرحّالة.

إنَّ الدرس الذي يجب أن نتعلمه جيدًا من تجربة غابرييل غارسيا ماركيز الروائيّة الممتدة، ومن كتابات «الواقعية السحرية» في أمريكا اللاتينيّة هي أنّك كي تكون مؤثِّرًا بسردك عالميًا لابدَّ أن تنطلق من المحلية، ولابدَّ أن تحتفي بالتفاصيل اليوميّة العادية في حياة الملايين من البشر، ولابدَّ أن تغوص عميقًا في متخيّلهم الذي شكّل شخصياتهم الثقافيّة، وحدّد وعيهم، ولابدَّ أن تلتقط أساطيرهم الثقافيّة التأسيسيّة.

لقد التفتتْ جائزة نوبل للآداب وبعمق في العقود الأخيرة إلى أهمية صدور المبدع في كتابته الإبداعية عن خصوصياته الثقافيّة المحليّة.

إنَّ مسحًا ثقافيًا شاملاً يُجرى عن فائزي جائزة نوبل للآداب في العقود الأخيرة سيؤكد بشدة ما ذكرته.

ولربّما يستفيد الروائيون العرب المعاصرون من دروس أمريكا اللاتينية السردية في إنتاج روايات استثنائية بعيدًا عن التكرار الممل في الموضوعات وفي التقنيات السردية، واستثني من كلامي القلة القليلة المبدعة المؤثرة التي تعمل في صمت بعيدًا عن الضجيج والثرثرة والتسويق الفجّ!

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، كلية الآداب، جامعة البحرين.

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news