العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الثقافي

الباحث الاجتماعي في اللغة واللهجات في المجتمع البحريني.. المترجم فاروق أمين للثقافي:

حاوره: علي الستراوي 

السبت ٠٨ يونيو ٢٠١٩ - 10:36

كل المجتمعات بحاجة إلى البحوث اللغوية لأن عمليات الغوص في بحور اللغة واللهجات والحفر في حقولها المعطاءة ستكشف عن الطبقات التاريخية المتراكمة!


 

يرى الباحث في علم الاجتماع وعلم اللغة العربية المترجم فاروق امين في كتابه الجديد المعنون «نشوء وتطور اللغة واللهجات العربية» عبر حوار اجريناه معه بمناسبة إصداره الكتاب حيث يرى: «إن اللغة العربية مثل أي ظاهرة أخرى، سواء أكانت طبيعية أم انسانية، شغلت مسائل اللغة أذهان البشر منذ أمد بعيد، وظلّت تعيد طرح نفسها من جيل إلى آخر. فهناك تساؤلات كثيرة تفرض نفسها على أذهان الكبار والصغار على نحو سواء. إذ إن من الطبيعي أن يندهش المرء من هذه الأداة الصوتية وقدرتها على التأثير في الناس وتنظيم الجماعات ونقل المعارف والخبرات، فضلاً عن التعبير عن الأوامر والنواهي والعواطف والانفعالات وما إلى ذلك من أمور. ضمن هذا السياق اجرينا هذا الحوار: 

* أنت تركت مساحة من الحب في مقدمة كتابك عبر تساؤل محتمل من القاري تقول فيه: لماذا كتاب جديد في مجال اللغة، وأنا اسأل بسؤالك لماذا؟ وما هو الوجه الأول من المشروع الذي انت بدأته بهذا الكتاب؟

عبر سؤال القارئ يكون المشروع الأول من الكتاب، ولكن هناك وجهًا ثانيًا يراه الكثيرون من زاوية أخرى، وأجده جديرًا بالاهتمام، ألا وهو حقيقة ان أمامنا الكثير من الثغرات الواجب سدّها، فضلا عن التساؤلات المتعلقة باللغة واللهجات العربية التي تنتظر المزيد من البحث والدراسة. 

ففي مجال علم اللغة (وهو موضوع هذا الكتاب) مازلنا بحاجة إلى المزيد من الاستقصاء والتنقيب في طبيعة اللغة وكيفية نشوئها وتطوّرها، وما إذا كانت هناك علاقة بين اللغة والأعراق البشرية، فضلاً عن صلة الفصحى بالعامية، تاريخ الدراسات اللغوية ودور العلماء العرب في هذا المجال، ما أعطته العربية للغات الأخرى وما أخذته منها، وغيرها من المسائل التي سيسعى هذا الكتاب إلى القاء الضوء عليها، علمًا بأن أي متابع للغات واللهجات سيلاحظ قلة الكتب العربية في هذا المجال عند مقارنتها بالكتب الأجنبية، وهذا واقع كفيل بتحفيز الباحثين العرب لبذل المزيد من الجهد بغية اثراء المكتبة العربية في علم اللغة.

* هل ترى أن المجتمع بحاجة إلى مثل هذه البحوث اللغوية؟

- نعم، وعلى العموم فإن كافة المجتمعات بحاجة إلى البحوث اللغوية لأن عمليات الغوص في بحور اللغة واللهجات، والحفر في حقولها المعطاءة، ستكشف عن الطبقات التاريخية المتراكمة التي تحمل في طياتها أحافير ثقافية تبين حقائق كثيرة عن اللغات والشعوب التي تأثّر بها المجتمع المعني، ظلّت مخفية عن أعين أبناء الحاضر. وكمثال بسيط في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن دراسة اللهجات البحرينية تكشف عن كلمات تعود إلى عصور الحضارات التي سادت في بلاد الرافدين قبل آلاف السنين ومازلنا نستخدمها إلى اليوم، هذا رغم ان تلك الحضارات، كالسومرية والأكدية والآرامية، قد اندثرت منذ أمد بعيد، لذا فإن البحث في اللغة عبارة عن مسعى لكشف الغاز لغوية تتمثل في العديد من الكلمات والتعابير التي نستخدمها يوميًا دون أن نعرف جذورها التاريخية ومن أين جاءت، بل قد نستخدم بعضها على خلاف معناها الأصلي القديم. 

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن العرب من بين الشعوب الأكثر حاجة إلى فهم لغتهم والتبحّر فيها، وإدراك معاني كلماتها، وأصول تلك الكلمات وصلاتها بغيرها من اللغات، وخاصّة ان الأغلبية الساحقة من الشعوب العربية تدين بالإسلام الحنيف القائم أساسًا على القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين، ومن ثم لا يمكن فهم ما يحمله من معانٍ وتفسير ما يتضمنه من آيات ودلالات إلا من خلال اللغة العربية. 

* لماذا الآن فكرت في اصدار هذا الكتاب، للعلم أن انحسار قراء الكتاب الورقي هجروه وما بقى الا القليل من هذه النخبة؟

- أرى أن فقر المكتبة العربية بالكتب الحديثة في علم اللغة، لاحظت أن عدد المفكرين والباحثين العرب المتميزين، من الذين كتبوا في هذا المجال خلال المائة سنة الأخيرة، لا يزيد عن عدد أصابع اليدين: ففي مصر نجد العالم اللغوي إبراهيم أنيس (ت 1977م)، الأديب لويس عوض (ت 1990م)، والعالم اللغوي عبدالعزيز مطر (ت 1999م)، وفي لبنان الأديب أنيس فريحة (ت 1993م)، والأديب الشيخ عبدالله العلايلي (ت 1996م)، ثم في العراق الآثاري طه باقر (ت 1984م) والعلاّمة جواد علي (ت 1987م)، هذا من دون الإقلال من مساهمات العشرات من الباحثين والكتّاب من غير هؤلاء. وبالمقابل، كان هناك الكثير من الباحثين البارزين في قضايا اللغة خلال العصر العباسي، وهو العصر الذي ازدهرت فيه الحضارة العربية الإسلامية، منهم الخليل بن أحمد، سيبويه، ابن جني، الحسين بن فارس، ابن السكيت، الثعالبي وغيرهم. 

*- ما أسباب محدودية علماء اللغة العرب في الوقت الحاضر؟

- لعل أحد أسباب محدودية علماء اللغة العرب في الوقت الحاضر يعود إلى المناهج التعليمية. ففي عالمنا العربي، تسببت مناهج التعليم الضعيفة -إلى جانب عوامل أخرى- في ضعف مستوى غالبية خريجي الجامعات في مجالات اللغة والكتابة. فعلاوة على أن قليلين منهم سمعوا أو قرؤوا شيئًا عن علم اللغة، بات من المألوف أن تقابل خريجًا جامعيًا لا يستطيع أن يكتب فقرة واحدة صحيحة. وعلى سبيل المثال، أصبح من السهل ملاحظة أخطاء شائعة لدى غالبية الخريجين، مثل إدخال الألف واللام على كلمة «غير» (كقولهم «الغير متعلمين») وإهمال النقطتين على التاء المربوطة، إضافة إلى قياس الفصيح على العامي، فيقولون مثلاً «موظفين الوزارة» بدلاً من «موظفي الوزارة» - وهلم جرا.

أما في الدول التي أولت علم اللغة ما يستحقه من اهتمام، فقد ازدهر فيها هذا العلم، وتوسعت مجالاته، وتمددت فروعه حتى تداخلت وتزاوجت مع علوم أخرى، فولدت علوم جديدة، منها: علم اللغة الاجتماعي Sociolinguistics، علم اللغة النفسي Psycholinguistics، وعلم اللغة الجغرافي Geolinguistics، وغيرها.

* متى انعقدت علاقتك باللغة؟

 - من الناحية الشخصية، تعود علاقتي باللغة إلى أولى سنوات التحاقي بالمدرسة. فقد شكّلت اللغة بالنسبة إلي، ومنذ بداية سماعي ألفاظًا وتعابير جديدة علي، ومنها ما ينتمي إلى لغات غير العربية، لغزًا يتطلب البحث عن أسراره. 

وهكذا نمى وتطوّر لدي الاهتمام باللغات واللهجات، وزادت معها التساؤلات والاهتمامات، والتي جاءت معها ملاحظة استخدام أفراد من حولي، وخاصة كبار السن، بعض الكلمات لأغراض علاجية أو لتجنب ما يسمى «الحسد»، أو حتى لإبعاد «الجن والشياطين» واتقاء شرها. وهذا سلوك يعود إلى بدايات تشكّل الوعي البشري عندما اعتقد الانسان أن هناك قوى فوق طبيعية تتحكم في حياته وفي أحداث الطبيعة، لذا سعى إلى تجنب غضبها وأضرارها بشتى الوسائل، ومنها التوسّل بعبارات معينة. 

وعندما أنهيت المرحلة الثانوية، خرجت بانطباع أن أهم شيء في اللغة العربية هو حفظ القواعد وأبيات الشعر، وهي مهام صعبة ومسائل لا نستفيد منها في حياتنا اليومية -حسب تصوري حينذاك ـ ولذلك لاحظت أن غالبية التلاميذ يكرهون دروس اللغة العربية.

وخلال الدراسة في جامعة الكويت، لاحظت أن هناك طلابًا اختاروا تخصص اللغة العربية فاستغربت من خيارهم والسبب الذي دفعهم لتفضيل هذا التخصص على غيره. وفي تلك المرحلة كذلك، بدأت اكتشف المزيد من الفروقات بين اللهجات العربية. فرغم اني كنت قد تعرفت على شيء من خصائص اللهجات المصرية والشامية التي سمعتها على ألسنة المدرسين العرب في المدرسة، فضلاً عن الأفلام المصرية والسورية على شاشة التلفزيون، إلا أن التواصل شبه اليومي مع الطلبة الجامعيين القادمين من مختلف الدول العربية، أتاح لي معرفة تفاصيل أكثر عن مختلف اللهجات العربية. 

* ما الخلاصة التي استفدت منها خلال سنوات ارتباطك باللغة؟ 

- مع مرور السنوات، وبفعل القراءة والمتابعة وكذلك الحاجة، اقتنعت بأهمية دراسة اللغة العربية، كما عرفت لأول مرة، ما لم أتعلمه في المدرسة، أن هناك علمًا اسمه «علم اللغة». ووجدت أن هذا العلم من العلوم المفيدة والمشوّقة لدي حتى بات مكمّلاً لاهتماماتي اللغوية، منذ سنوات التعليم المدرسي، بمسائل المقارنة بين اللغات المختلفة. ومن ثم بدأت أهتم باللغة العربية أكثر. 

* حدثنا عن إصدارك الأول والذي يبحث في «الأسرة البحرينية» الصادر عام 1983م؟

-عندما شرعت في تأليف كتابي الأول (الأسرة البحرينية)، الذي صدر عام 1983م، وجدت انه لزامًا علي أن أتعلم القواعد العربية الصحيحة، لذا أعطيت المزيد من الوقت لهذا المجال، وكان هذا الكتاب حافزا لي للحفر في مجالات اللغة والغوص في معالمها.

ثم جاءت مرحلة العمل مترجمًا، بدوام جزئي، في بعض الصحف المحلية، بدءًا بصحيفة الأيام في مارس 1989م، حيث زادت الحاجة إلى تعلّم القواعد العربية، فضلاً عن المترادفات المختلفة في العربية كي أكتب المعنى العربي الدقيق للكلمات الانجليزية، فشكّل هذا دافعًا اضافيًا للتركيز أكثر على دراسة اللغة العربية وقواعدها. 

*-كم عدد أجزاء الكتاب الجديد؟ وعم تبحث أبوابه وكم بابا حمله الكتاب؟ 

- يتألف الكتاب الحالي من خمسة أبواب، يتناول الباب الأول المسائل المتعلقة بنشوء وتطور اللغة وعلاقتها بعوامل عديدة، منها الجينات والهجرات البشرية، إضافة إلى الفصائل اللغوية، والصلة بين اللغة وكل من المجتمع والسياسة والعواطف القومية وغيرها. 

ويركز الباب الثاني على اللغة العربية الفصحى، حيث يبدأ بالحديث عن فصيلة اللغات السامية لينتقل بعدها إلى البحث عن أولى الاشارات التاريخية إلى العرب، فضلاً عن مفهوم اللغة العربية الفصحى وزمان ومكان ظهورها. 

في الباب الثالث، يبحث الكتاب في علاقات التأثير والتأثّر بين اللغة العربية وست لغات لشعوب دخل العرب معهم في علاقات تاريخية، شملت مختلف الجوانب السياسية والدينية والثقافية وغيرها، هي: الفارسية، الأوردية، التركية، السواحيلية، المالطية والملايوية. 

والباب الرابع خصصناه لبحث العلاقة بين اللغة الفصحى والعامية، حيث نتناول فيه أوجه التشابه والاختلاف بينهما، قبل الحديث بشيء من التفصيل عن اللهجات العربية التالية: الشامية، العراقية، الخليجية عموما والكويتية خصوصًا، المصرية، السودانية وأخيرًا اللهجة المغربية.

أما الباب الخامس والأخير فيبحث بالتفصيل في اللهجات البحرينية، بدءًا من تشكّل المجتمع البحريني قبل حوالي ثلاثة آلاف سنة، مرورًا بالموجات البشرية التي توافدت على البحرين، وما تركته من آثار لغوية على سكّانه، إضافة إلى أهم الظواهر اللغوية في اللسان البحريني، وانتهاء بمحاولة استشراف مستقبل هذا اللسان. 

وفي الختام، من المهم تقديم الشكر للعديد من الأصدقاء الذين استفدت من معلوماتهم وملاحظاتهم على مسودة الكتاب، ومن بينهم خلف أحمد خلف، جعفر الصميخ، وإبراهيم العلوي، إلا أن أي نواقص -إن وجدت ـ فتظل من مسؤولية المؤلف وحده. 

أخيرًا يؤكد الباحث فاروق امين أن الدراسة التي وثقها الكتاب هي من الأهمية للاجيال الجديدة والسابقة، وأن هذا البحث كان هاجس سنوات ظل يعمل عليها بصمت.

متمنيًا أن يلقى الكتاب ضالته في قلوب محبي اللغة والبحث الاجتماعي في اللهجات.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news