العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

مستقبل «الاتحاد» في ضوء نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

السبت ٠٨ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

شهدت انتخابات البرلمان الأوروبي حالة من الاستقطاب السياسي، حيث أسفرت عن نتائج غير متوقعة، بتراجع حصة أحزاب يمين ويسار الوسط البارزة تقليديًا من الأصوات، على نحو غير مسبوق، في ظل تقدم أحزاب اليمين المتشدد، ووصول الأحزاب الخضراء إلى الصدارة بضم 71 مقعدًا في البرلمان، في الوقت الذي زادت فيه نسبة المشاركة لتبلغ 50.82% من الناخبين، وهي النسبة العليا منذ عام 1994، على عكس ما شهدته انتخابات 2014 التي قُدرت بـ42.54%.

ويعد البرلمان الأوروبي هيئة صنع وصياغة القوانين في الاتحاد الأوروبي، ويتكون من 751 عضوا، يُنتخبون كل خمس سنوات. ويمثل هؤلاء الأعضاء، مصالح المواطنين من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 28 دولة. ويتمثل أحد الأدوار التشريعية الرئيسية للبرلمان في التدقيق في القوانين التي تقترحها المفوضية الأوروبية، كما أنه مسؤول أيضا عن انتخاب رئيس المفوضية الأوروبية والموافقة على ميزانية الاتحاد الأوروبي.

يقول «آدم بالسير»، من مركز «وايسيوروبا» للأبحاث، إنه «في خضم التهديدات الداخلية والخارجية لاستقرار الاتحاد، وتقويض التحالف عبر الأطلسي، واستمرار الوتيرة البطيئة للنمو الاقتصادي، وأزمة الهجرة غير الشرعية المتكررة، قد تكون «انتخابات البرلمان الأوروبي لعام 2019، هي الأكثر أهمية في تاريخ الاتحاد الأوروبي».

وتبدى الخلاف حول تفسير نتائج الانتخابات على الاتحاد الأوروبي، وما إذا كانت ستدعمه، أم ستعمل على تقويضه. واعتمد الفريق المؤيد لتدعيم الاتحاد على عدة دلائل أهمها :

أولًا: صعود الأحزاب اليسارية: وهو ما منع اليمين المتطرف من تشكيل أكبر كتلة في البرلمان، فقد رفض الناخبون التصويت للأحزاب الراديكالية، مثل حزب «الحرية» النمساوي، و«الشعب» الدنماركي، و«البديل من أجل ألمانيا»، و«الحرية» الهولندي، وأيدوا بدلاً من ذلك أحزاب يمين الوسط والأحزاب اليسارية.

ولعل فشل اليمين المتطرف في الارتقاء إلى مستوى التوقعات وتشكيل غالبية في البرلمان، قد جنب الاتحاد الأوروبي مواجهة تهديدات داخلية أكثر أهمية وخطورة؛ حيث كانت قد قطعت أحزاب مثل حزب «بريكست» و«البديل من أجل ألمانيا»، قبل إجراء الانتخابات، وعدًا بتقويض الاتحاد الأوروبي من الداخل من خلال تحجيم سلطاته التشريعية على سبيل المثال وذلك لاستعادة السيادة والاستقلالية لبعض أعضائه المناهضين له.

ويلاحظ صعود اليمين في دول كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، حيث برز حزب التجمع الوطني الفرنسي اليميني المتطرف بقيادة «مارين لوبان»، على سبيل المثال، كأكبر حزب في فرنسا يتصدر النتائج الانتخابية. كما فاز حزب «الرابطة» اليميني المتطرف في إيطاليا وحزب «بريكست» الناشئ، وكلاهما معادٍ بشدة للاتحاد الأوروبي، بأكبر عدد من الأصوات في بلدانهم، وسط انهيار وتراجع الأحزاب الوسطية؛ حاصلين على 57 مقعدًا برلمانيًا.

وأوضحت مجلة «الإيكونوميست»، أن «معظم الأحزاب المتشككة في جدوى الاتحاد الأوروبي ومجموعات اليمين المتطرف في البرلمان الأوروبي زادت من حصتها في المقاعد من 21% إلى 23%، وفقًا لما ذكره البرلمان الأوروبي، وما كادت تصعد هذه الأحزاب ويسطع نجمها حتى شهدت أوروبا على مدار خمس سنوات مواجهة أزمة الهجرة، والتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والهجمات الإرهابية وتشتت وتباين الآراء السياسية الأوروبية حيال العديد من القضايا».

وبالرغم من هذا الصعود فإن الأحزاب اليمينية لم يمكنها أداؤها الانتخابي من تهديد عمل الاتحاد الأوروبي، وهو الرأي الذي أيده «بيتر كريكو»، في صحيفة الجارديان، بقوله: «هناك بعض التحوّل إلى اليمين، لكن ليس هذا بالشيء الذي سيهدد عمل الاتحاد الأوروبي».

ثانيًا: زيادة الأصوات المخصصة للأحزاب المؤيدة للتكتل الأوروبي: مثل أحزاب الخضر التي تمتعت بالنجاح الانتخابي وجاءت في المرتبة الثانية بالنتائج في كل من ألمانيا وفنلندا، بالإضافة إلى توسيع حصتها في البرتغال وفرنسا وبريطانيا وأيرلندا وهولندا، وحصلت على 71 مقعدًا مقارنة بـ52 في عام 2014.

واكتسبت أحزاب «الخضر» تلك الأصوات نتيجة لزيادة الوعي حول أهمية التغيير المناخي باعتبارها قضية سياسية مهمة في القارة الأوروبية، حيث شهدت القارة موجات حرارة غير معهودة، بالإضافة إلى فيضانات أغرقت القارة، فضلا عن الموقف المؤيد لبقاء الاتحاد الأوروبي واستمراريته. وبالتالي ستعمل على تقوية الاتحاد الأوروبي بإدخال وإقرار تشريعات لتعزيز آلياته المؤسسية، وكذلك لوقف مشاريع القوانين؛ التي تسعى للنيل من سلطاته وتهميش قدراته.

وأوضحت «ناتالي نوجيردي»، في صحيفة «الجارديان»، أن «القصة الحقيقية لتلك النتائج تكمن في ظهور دليل على انبعاث تعددية حزبية جديدة قوية ناشئة تدلي بدلوها في سياسات الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك أحزاب الخضر والأحزاب الليبرالية؛ إلى الحد الذي أصبح فيه تحالف الليبراليين والديمقراطيين من أجل أوروبا والخضر ضمن صانعي القرار المحتملين في البرلمان الأوروبي». 

وعلى الرغم من تنامي التفاؤل على المدى القصير، بمدلولية تلك النتائج على توحد الاتحاد الأوروبي وعدم انقسامه، فإن بعض المحللين قد أكدوا أن تلك النتائج ستؤول إلى تبعات لا يمكن تحملها بالنسبة الى الاتحاد،  وذلك لعدة أسباب: 

أولًا- انهيار وتراجع أحزاب الوسط الرئيسية: حيث خسرت الكتلتان الكبيرتان في البرلمان الأوروبي، وهما «حزب الشعب الأوروبي»، الذي يمثل يمين الوسط، والاشتراكيون والديمقراطيون من يسار الوسط، عددًا كبيرًا من الأصوات، ووصلت خسائرهما إلى 73 مقعدًا مقارنةً بعام 2014، حيث اتجه الناخبون نحو تمكين اليسار واليمين انتخابيًا على حساب الأحزاب الأخرى نوعًا ما. ففي بريطانيا حصل حزب العمال على 14% فقط من حصة التصويت، في حين انخفض نصيب «المحافظون» بشكل كبير إلى 9%؛ مُقارنة بنسبة 24.4% و23.1% على التوالي في عام 2014.

ويُرجح أنه في المستقبل القريب سيتداعى نهج الإصلاح المعتدل والتقدم الذي تجسده هذه الأحزاب التي توطدت دعائمها داخل الاتحاد الأوروبي منذ نشأته؛ لصالح أحزاب أخرى تسعى إلى تنفيذ أجندات سياسية راديكالية لديها القدرة على زيادة الانقسام في أوروبا. ويوضح «مارك ليونارد»، في صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن «الناخبين ينادون من أجل التغيير، وبالتالي هم  يفضلون دعم المُتمردين الجدد بدلاً من أحزاب الوضع الراهن التقليدية الموجودة منذ عقود».

ثانيًا- جمود الوضع السياسي: وذلك في ضوء الاختلاف الكبير بين ملامح الأحزاب وأولوياتها، ما يحد من استجابات البرلمان الأوروبي للتهديدات الإرهابية أو التعامل مع النمو المتباطئ للاقتصاد الأوروبي، وهو ما أشار إليه «فرانسيس بورويل»، الزميل بمبادرة «مجلس أوروبا المستقبلية» في قوله: «في ضوء التباين الواضح بين الأحزاب انطلاقًا من ملامح رؤيتها وأولوياتها السياسية، سيكون من الصعب خلق أي تحالفات فيما بينها، وهنا سيتحتم على البرلمان الأوروبي دفع ما يرى من رؤى وأجندات، وفقًا لأهوائه الخاصة خلال إجراءات العملية التشريعية، ولن يقف الأمر عند هذا الحد فإن أي تحالفات، حال حدوثها ستكون مؤقتة ومنصبة على الاهتمام بقضية بعينها دون غيرها، ما سيجعل هناك برلمانًا أوروبيًا غير جدير بالثقة وينتابه الكثير من التردد فضلاً عن أنه لا يمكن التنبؤ بأحداثه».

ثالثًا- تقويض فاعلية الاتحاد: فنتيجة لتشرذم الآراء سيتم تقويض مشروعات البرلمان الأوروبي ومهام عمله واتحاد دوله ما يزيد حالة التشكك في قدراته، وهو ما سينتهي بانسحاب بعض دوله معلنين تكرار سيناريو «البريكست».

وتقول مجلة «الإيكونوميست» البريطانية إن «السياسة الأوروبية متقلبة ومتشعبة وتتشكل من جديد بطرق واتجاهات جديدة، وأن الاتجاه الأكثر أهمية في تلك السياسة ليس زيادة الميول الشعبوية بقدر الظهور الواضح للنطاق الكامل للتشرذم السياسي واختلاف الرؤى والأجندات لدى الدول الأوروبية برمتها».

والخلاصة، فإن أهم انتخابات في تاريخ البرلمان الأوروبي سيكون لها عواقب متباينة، وهو ما يتبدى في ظل حالة الاستقطاب المسيطرة على القارة، وتراجع أحزاب الوسط، وتقدم أحزاب اليمين واليسار، تلك التعددية التي يمكن لها عرقلة استقرار التكتل الأوروبي، نتيجة لاعتلال البرلمان، وجموده السياسي.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news