العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٧ - الأحد ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

أصحاب الأخدود (3)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٠٧ يونيو ٢٠١٩ - 12:57

 

إن قصة أصحاب الأخدود، تُبين لنا قاعدة مهمة من قواعد النصر والتمكين، وهي أن الانتصار الحقيقي هو انتصار العقيدة الصحيحة والثبات عليها مهما كانت الأحوال، ومهما قل عدد المتمسكين بها والداعين إليها، يقول تعالى: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). سورة البقرة: 249. لقد قص لنا القرآن هذه القصص وتلك المواقف مع الأنبياء والمرسلين في الأمم السابقة لتدعونا إلى الثبات على الحق، والتمسك بالعقيدة الصحيحة مهما كانت الأحوال، وهذا نبي الله نوح عليه السلام. يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يؤمن من قومه إلا قليل منهم، فتوجه إلى الله بالدعاء لينصره على أعدائه فلم يبق له قوة ولا حيلة تجدي معهم. يقول تعالى: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ(10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ(12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ(13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ(14) القمر: 10-14. ويؤكد القرآن الكريم أن الله ينصر رسله وأولياءه مهما طال أمد النصر في الدنيا، ويُنجيهم من أهوال الآخرة. يقول تعالى: (إنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ(52). غافر:51-52. إن التمسك بالمبادئ المنبثقة من عقيدة التوحيد والثبات عليها مثل العدل، والمساواة، والأمانة والصدق، والإحسان، فهذه المبادئ لا تتغير ولا تتبدل باختلاف الأشخاص أو الزمان والمكان، والتمسك بها من أسباب النصر والتمكين والسعادة والحياة الآمنة، وأن النصر ليس مقصورًا على الغلبة الظاهرة، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة، وأن الحياة الدنيا وما فيها من المتاعب والآلام ليست هي الميزان الذي يوزن به الربح والخسارة، فقد يكون الكافر والمنافق والعاصي في سعة من الرزق وصحة في البدن وأمان في الحياة ويتقلب في النعم. فيكون ذلك كله استدراجا له. يقول تعالى: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) القلم:44. ويقول تعالى: (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) مريم:75. وقد ترى المؤمن صادق الإيمان مبتلى في بدنه وولده وأهله ورزقه، يُكابد الصعاب ويتحمل المشاق، مضطهد في حياته مطارد في أهله، لأن هذه الدنيا ليست دارا للثواب والعقاب، ولا دليلا على رضا الله أو سخطه، ولكنها دار ابتلاء واختبار، كما بين ذلك ما رواه الحاكم في المستدرك بسنده عن سفيان الثوري عن زبيد عن مرة عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب. وأخرج أبو شيبة في مصنفه عَنْ عبداللهِ، قَالَ: إنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لاَ يُحِبُّ، وَلاَ يُعْطِي الإِيمَانَ إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ، فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الإِيمَانَ، فَمَنْ جَبُنَ مِنْكُمْ عَنِ اللَّيْلِ أَنْ يُكَابِدَهُ، وَالْعَدُوِّ أَنْ يُجَاهِدَهُ، وَضَنَّ بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقَهُ، فَلْيُكْثِرْ مِنْ سُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ. إن ميادين النصر في الحياة كثيرة ومتنوعة، أهمها انتصار العقيدة والمبادئ. لقد انتصر هذا الغلام عدة مرات في معركته ضد الباطل والظلم والاستبداد والاضطهاد، الذي مارسه الطاغية في زمانه الذي ادعى لنفسه الألوهية، وصد الناس عن كلمة الحق، ومن يجرؤ على ذلك يُعذب ويُقتل حتى ولو كان من المقربين إليه. انتصر هذا الغلام بقوة فهمه وإدراكه لأقصر وأسلم الطرق لنصرة دينه وعقيدته، وإخراج أمته ومجتمعه من الظلمات إلى النور، وانتصر بقدرته على اتخاذ القرار الحاسم في الوقت المناسب، متخطيا جميع العقبات، ومستعليا على الشهوات، ومتاع الحياة الدنيا، وانتصر عندما تحقق ما كان يدعو إليه وما قدم نفسه من أجله، وهو أن يؤمن الناس بالله الواحد لا شريك له، وحين عرف الناس أن ما يدعيه ذاك الطاغية من الألوهية باطل لا أساس له، وانتصر عندما فاز بالشهادة في سبيل الله، وانتصر عندما خلد الله ذكره في العالمين، وجعل له لسان صدق في الآخرين، صحيح أن الناس كلهم يموتون، ولكنهم لا ينتصرون جميعًا هذا الانتصار. حقا إن النصر مع الصبر، وإن مع العسر يسرا. إن العقيدة تتطلب ثباتا ويقينا وثقة في نصر الله ومعيته، وتتطلب صبرا ليتحقق الثبات، وما أحوجنا إلى الثبات على العقيدة الصحيحة ليكون لنا التمكين، أما أن نتخذ الدين والعقيدة لهوا ولعبا، ثم نتساءل لماذا ينتصر علينا الأعداء، لماذا تُنتهك حرماتنا ومقدساتنا؟ لماذا لا يهابنا الأعداء؟ لأننا في معظمنا حرف العقيدة، فعُبدت القبور، وتوجه الناس إلى مخلوقين أحياء وأمواتا يرجونهم ويعتقدون النفع والضر فيهم من دون الله تعالى، وأحل الناس ما حرم الله إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم، وأصبح المؤمن صادق الإيمان في غربة بين أهله فنسأل الله العافية، فإذا أردنا عزا وتمكينا ونصرا فلنحقق قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) محمد: 5. ويوم أن خالف المسلمون توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أُحد حلت بهم الهزيمة بعد النصر، بسبب المخالفة وتغيير موقف الرماة من دون إذن من رسول الله، لنعلم أن مخالفة أمر الله ورسوله من أسباب الهزيمة، ولقد سجل الله تعالى هذا الموقف في القرآن ليكون درسا متجددا في كل تلاوة على مر الزمان. يقول تعالى: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير) آل عمران: 165. فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة أو يُصيبهم عذاب أليم. فاللهم ثبتنا على الحق بفضلك ورحمتك يارب العالمين. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news