العدد : ١٥١٢٤ - الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٤ - الثلاثاء ٢٠ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٩ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (80)

بقلم: د.غريب جمعة

الجمعة ٠٧ يونيو ٢٠١٩ - 12:56

 المرحلة المصرية (59):

ما السنة؟

ذكرنا في الحلقة السابقة أن الإمام أفاض وأجاد في موضوع البدعة لذلك سنفرد لهذا الموضوع حلقات خاصة لأهميته بالنسبة إلى عبادة المسلم بعد أن أصبحت كلمة «بدعة» وقولة «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» تجري على الألسنة بكثرة وبطريقة فرقت المسلمين شيعًا وأحزابًا يرمى بعضهم بعضًا بالكفر والإلحاد فإن لم يكن فبالفسوق والعصيان.

وسوف تكون هذه الحلقات قصيرة بعض الشيء لأنها أحكام شرعية والأحكام الشرعية لا بد في تعلمها من التدرج ولا تلقى إلى القارئ جملة فيرفضها أو ينساها جملة.

ولله در الإمام محمد الخضر حسين الذي بين الأمر بيانًا شافيا كافيا – إن شاء الله – يقول رحمه الله: اشتدت عناية الشارع (الرسول صلى الله عليه وسلم) في تحذير الناس من أن يحدثوا في الإسلام ما ليس منه. قال صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (أي مردود عليه غير مقبول). وقال صلى الله عليه وسلم: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (صحيح البخاري) وذلك حتى لا يدخل الفساد إلى الإسلام كما دخل إلى الديانات السابقة.

وعلى الرغم من ذلك الزجر والتحذير، لا تزال طوائف يلصقون بالدين ما ينافي سماحته ويشوه وجه حكمته. وقد كثرت هذه البدع حتى حجبت جانبًا من محاسنه وكان لها أثر في تنكر القلوب لهدايته. وهذا ما دفع كثيرًا من أهل العلم أن يتناولوا البدع بالتأليف خاصة كما فعل أبو بكر الطرطوشي وأبو إسحاق الشاطبي وغيرهما من علماء الدين.

والبحث في موضوع البدعة مجال واسع ونحن نلم بالقدر الكافي في هذا الموضوع - إن شاء الله – حتى يعرف الناس ما السنة وما البدعة وما الفرق بينهما والتمييز بين السني والبدعي حتى لا يقولوا في دين الله بغير علم فيختلط الحق بالباطل والهدى بالضلال. ولنبدأ بموضوع «السنة» أولاً.

تعريف السنة:

السنة في أصل اللغة هي الطريقة حسنة كانت أم سيئة.

وتطلق على ما يقابل القرآن فيراد بها: قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره.

ويطلقها العلماء على ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليه.

وتطلق على ما يقابل البدعة فيراد بها: ما يوافق القرآن أو حديث النبي من قول أو فعل أو تقرير وسواء كانت دلالة القرآن أو الحديث على طلب الفعل مباشرة أو بوسيلة القواعد المأخوذة منهما وينتظم في هذا السلك عمل الخلفاء الراشدين والصحابة الأكرمين للثقة في أنهم لا يعملون إلا على بينة من أمر دينهم وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ونشر دينه من بعده والذي يتطلبه البحث في هذا المقام أن نحدثك عن فعله عليه الصلاة والسلام وإقراره حتى تعلم الضرب (النوع) الذي كان لنا فيه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وسنة قائمة.

من أفعاله صلى الله عليه وسلم:

ما يصدر على وجه الجبلة (الطبيعة) أو العادة كالقيام والقعود والاضطجاع والأكل والشرب واللبس، وهذا الضرب غير داخل فيما يطلب فيه التأسي به. وغاية ما يفيده فعله صلى الله عليه وسلم لمثل هذه الأشياء الإباحة فإذا جلس صلى الله عليه وسلم أو قام في مكان أو زمان أو ركب نوعًا من الدواب أو تناول نوعًا من الأطعمة أو لبس صنفًا من الثياب فلا يقال فيمن لم يفعل شيئًا من ذلك أنه تارك للسنة.

ما علم اختصاصه به كالوصال في الصوم (مواصلة الصيام بالليل) والزيادة في النكاح على أربع ولا نزاع في أن مثل هذا ليس مجالاً للتأسي وما كان لأحد أن يقتدي به فيما هو من خصوصياته.

ما عرف كونه بيانًا للقرآن كقطعه يد السارق من الكوع بيانًا لقوله تعالى: (فاقطعوا أيديهما) (المائدة/38) وحكم الاقتداء به حكم المبين من وجوب أو استحباب.

ما لم يكن جبليا ولا خصوصية ولا بيانًا وهذا إذا عُلِمَتْ صفته في حقه صلى الله عليه وسلم من وجوب أو ندب أو إباحة، فأمته تابعة له في الحكم، إذ الأصل تساوي المكلفين في الأحكام.

فإن فعل صلى الله عليه وسلم أمرًا ولم يقم دليل على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة فهذا إما أن يظهر فيه معنى القربة إلى الله كافتتاحه الرسائل بجملة: بسم الله الرحمن الرحيم، فيحمل على أقل مراتب القربة وهو الندب وإما ألا يظهر فيه معنى القربة فيدل على أنه مأذون فيه.

ومثال هذا إرساله صلى الله عليه وسلم شعر رأسه الشريف إلى شحمة الأذنين وهو عمل لا يظهر فيه معنى القربة، ولكن بعض أهل العلم جعلوه من مواضع الاقتداء به ورأى آخرون أن هذا محمول على العادة فإذا جرت عادة قوم بنحو الحلق فلا يوصفون بأنهم تركوا ما هو سنة.

ومما يشبه إرسال الشعر إلى الأذن إرساله عليه الصلاة والسلام ذؤابة (طرف) من العمامة وهي المسماة: «بالْعَذَبَة»، وإذا كان إرسال ذؤابة من العمامة مما لا يظهر فيه معنى القربة يكون موضعًا لاختلاف أهل العلم فمنهم من يجعله عن قبيل ما يُتأسى به ومنهم من يراه من قبيل العادة فلا يعد المتعمم من غير عذبة تاركًا للسنة.

ومما لم يظهر فيه معنى القربة تقديم اسمه صلى الله عليه وسلم في الرسائل على اسم المرسل إليه ولهذا لم يحافظ عليه بعض السلف محافظتهم على ما يفهمون فيه معنى القربة، فأجازوا تأخير اسم المرسل على اسم المرسل إليه وسئل الإمام مالك عن ذلك فقال: لا بأس بل روى أن ابن عمر وهو في أشد الناس محافظة على السنة قد كتب إلى معاوية ثم إلى عبدالملك بن مروان وقدم اسميهما على اسمه (رواه البخاري في الأدب المفرد).

تقريره صلى الله عليه وسلم (أي ما فعله غيره وأقره عليه):

من مقتضى ما تقرر من عصمته صلى الله عليه وسلم وأمانته في التبليغ ألا يقر أحدًا من صحابته على أمر غير مأذون فيه شرعًا وبهذا يكون إقراره للأمر دليلاً على أنه لا حرج في فعله سواء شاهده بنفسه فسكت أو بَلَغَهُ فلم ينكره، وما لا حرج فيه يشمل: الواجب والمندوب والمباح، فيحمل على أقل مراتبه وهو الجواز حتى يقوم الدليل على الندب أو الوجوب. ولا يدل الإقرار على جواز الفعل في حق من أقره النبي صلى الله عليه وسلم وحده بل يكون الجواز حكمًا شاملاً لجميع المكلفين أخذا بالأصل الذي هو استواء الناس في أحكام الشريعة.

فليس لأحد أن يعد اللعب في المسجد بالسلاح بغرض التمرين على الحرب أمرًا مخالفًا للسنة، بعد أن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الحبشة على اللعب بالحراب في مسجده، وليس لأحد أن ينكر على المعتدة عدة وفاة إذا خرجت للاستفتاء (أي للسؤال عن حكم شرعي) بعد أن ثبت أن الْفُريْعَة بنت مالك خرجت بعد وفاة زوجها تستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع العدة فقال لها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» (أي حتى تنقضي عدتك).

وقد أجاز الحنفية والمالكية للمتوفى عنها زوجها لا المطلقة أن تخرج من منزل العدة نهارًا في حوائجها الضرورية، لاكتساب ما تنفقه لأنها لا نفقة لها من الزوج المتوفى بل نفقتها عليها ثم تعود فتبيت في ذلك المنزل ولا تخرج بالليل لعدم الحاجة إلى الخروج ليلاً كما لا تخرج لتجارة ولا زيارة ولا تهنئة ولا تعزية.

ويتصل ببحث السنة مسألتان جرى فيهما اختلاف علماء الشريعة:

إحداهما: ما يقوم الدليل على أنه سنة ثم يتهاون الناس فيه ولا يتمسك به إلا فريق عُرفوا باسم المبتدعة من ناحية اعتقاد أو عمل وقد ذهب بعض الفقهاء إلى ترك هذه السنة احتراسًا من التشبه بالمبتدعة، وضرب المثل لهذا بتسطيح القبور والتختم باليمين. والحق أن محافظة بعض المبتدعة على سنة حتى تصير شعارًا لهم لا يخرجها عن حقيقة كونها سنة ولا يزال خطاب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم متوجهًا إلى أولئك الذين تركوا السنة حتى يعودوا إليها.

ثانيتهما: ما يخشى من فعله اعتقاد العامة لوجوبه، فقد يراعي بعض الأئمة مفسدة اعتقاد العامة لوجوب ما هو مندوب إليه كما ذهب الإمام مالك إلى كراهة صوم ستة أيام من شوال مع صحة الحديث الوارد في فضله خشية أن يعتقد العامة وجوبها. قال الإمام الشاطبي: والذي خشي منه مالك وقع في العجم فصاروا يتركون المسحرين على عاداتهم والبواقين.

وقال أبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي: لا أحب أن يداوم الإمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعة بسورة الجمعة ونحوها لئلا يعتقد العامة وجوبه. والجمهور لا يقيمون للخوف من اعتقاد العامة وزنًا. والتبعة في مثل هذا على أهل العلم إذ هم المطالبون بتعليم الناس آداب دينهم وهدايتهم إلى سبيل ربهم. وانظروا إلى ما صنع عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قبل الحجر الأسود وقال: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك» فقد جمع بين الأخذ بالسنة ودفع ما عساه أن يخطر في أذهان العامة من اعتقاد فاسد.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news