العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

حــيـــرتــنـــي الــنــفــــــــس (5)

بقلم: أ.د. أمين عبداللطيف المليجي

الجمعة ٠٧ يونيو ٢٠١٩ - 12:55

 

مازلت مع النفس المحيرة، ومازال في نفسي شيء عنها، كلما هممت بترك موضوع النفس أجد شيئا مهمًّا عنها، لا بد من الحديث عنه، وأنا أراجع أحوال النفس أجدها متقلبة في كل لحظة، فتأخذ صاحبها في كل صوب، وتجعل صاحبها متقلب الفكر، فتارة تأخذ صاحبها إلى حالة الإعجاب بها، وهذه الحالة من الحالات التي لها تأثير سلبي على الإنسان، فإعجاب المرء بنفسه يكون ناتجا عن نفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربى، وتتعدد المواقف والأحوال التي يمر بها الإنسان فتجعله معجبا بنفسه، وربما يقوده هذا الإعجاب إلى أفعال شائنة تسيء إليه، وربما يكون فيها هلاكه، فمثلا عندما يكون الإنسان متحكما في أمر ما، ثم ينجز أعمالا كثيرة، ثم يجد نفسه محط كل الأنظار، وهذا الاهتمام الذي يلقاه ممن حوله يأتي نتيجة جهد كبير وعمل متواصل من دون كلل، في بداية الأمر يكون طبيعيا أن يكون هناك مدح وإعجاب بما يقوم به، وبعد فترة وجيزة ينتاب الإنسان شعور بالفخر بما حقق من إنجازات، وبما يلقاه من اهتمام وتقدير، ثم تبدأ النفس الأمارة بالسوء ومعها الشيطان الرجيم بتزيين كل ما يفعله، وينتاب الإنسان شعور بالفخر والإعجاب بالنفس، وتلك بداية الوسوسة السيئة، لأنها تنقل الإنسان إلى حال الاعتماد على النفس فقط ونسيان أن من ساعده على ذلك هو الله، وهذه طامة كبرى لأنه إذا استمر على تلك الحال فإن الخسران والهلاك يكون مصيره، كحال قارون الذي نسي واهب المال فقال (إنما أوتيته على علم عندي) فأرجع كل شيء إلى ما عنده من علم، فكان مصيره الخسف، فمن وجد نفسه على تلك الحال فليراجع نفسه سريعا ويتذكر أن ما فعله شيء عظيم ولكن لا يقوده ذلك إلى مصير قارون، فليحمد الله ويسأله المزيد ويسأله العون على فعل ما فعل وزيادة، وقد ذكر الحق لنا قصة عن الإعجاب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى نعرف مقدار وسوسة النفس حتى لأصحاب رسول الله وهو بينهم، حتى لا يظن البعض أن الصحابة معصومون، بل هم بشر مثلنا يصيبهم ما يصيبنا، وتوسوس لهم أنفسهم كما توسوس لنا، فكما ورد فإن سيدنا أبوبكر الصديق رضي الله عنه قال يوم حنين عندما رأى عدد جيش المسلمين كبيرا - لن نغلب اليوم من قلة - ونسي ولو للحظات واهب القوة والعدد والعدة، ونسي أن النصر من عند الله بشرط الأخذ بالأسباب والتوكل وعدم التواكل، وهنا نلحظ إعجاب الصديق بعدد المسلمين الكبير، ولنا أن نتصور إذا كان هذا حال كبار الصحابة أمثال الصديق وأول من آمن من الرجال وثاني اثنين إذ هما في الغار يوم الهجرة، وحدث ولا حرج عن مناقب الصديق التي لا تحصى، ومع ذلك وسوست له نفسه ومعها الشيطان الرجيم، فكيف يكون حال باقي الصحابة ومن تأخر إسلامه ومن كان إسلامه متأرجحا، وبعض المرجفين والمنافقين؟ بالتأكيد سيكونون أشد إعجابا وأشد تواكلا على العدد الكبير، فكانت النتيجة كما أوردها الحق في كتابه الكريم في سورة التوبة (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26)) وهنا نلحظ أن الحق سبحانه أتى بصيغة الجمع حتى يشمل كل من تحدث علنا عن عدد المسلمين الكبير معجبا به، وظن أن الغلبة لهم لا محالة، وكل من أخفى الإعجاب بنفسه، وكتمه في نفسه، فكانت الهزيمة وليس هذا فحسب بل إن الأرض قد ضاقت عليهم ثم ولوا مدبرين، كما وصفت الآية الكريمة حالهم أثناء الحرب، ثم أتى التعقيب بعد التذكر بأن الله هو واهب القوة والعدد والعدة، فكان الثبات والنصر، أي أن أمر الإعجاب بالنفس وارد ولم ولن يسلم منه أحد ولكن المهم هو التذكر والرجوع إلى الحق سريعا وعدم التمادي في الإعجاب، هذه حال من أحوال النفس نسأل الله أن يبعدها عنا وأن نكون ممن ذكر وشكر الله في كل أمر، وللحديث بقية عن النفس المحيرة بمشيئة الله تعالى.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news