العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

نحو تعزيز العلاقة ما بين البيت والمدرسة

بقلم: د. أسامة مهدي المهدي {

الجمعة ٠٧ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

إن تعلم الأطفال لا ينحصر في الوقت الذي يقضونه في المدرسة، فهم يتعلمون بطرق مختلفة في سياقات متنوعة؛ مع الأصدقاء وأفراد الأسرة في المنزل والملعب وغيرها من الأماكن. يحمل الأطفال معهم عن دخولهم المدرسة شخصياتهم وهوياتهم المتميزة وتشمل القيم، والمهارات، والمعارف، والاهتمامات المرتبطة بحياتهم خارج المدرسة. والأمر نفسه يحدث عندما يقوم الأطفال بنقل خبراتهم التي يتعلمونها من المدرسة إلى خبراتهم اليومية في المنزل، على سبيل المثال: من خلال المهمات المدرسية يمكنهم تطبيق ما تعلموه من خبرات تعليمية في المدرسة في مواقف يواجهونها في حياتهم اليومية. إن حياة الأطفال خارج المدرسة توفر فرصا وتحديات ذات طابع مختلف يمكن أن تدعم وتطور خبراتهم التعليمية. والأخذ بهذه النظرة الشاملة لحياة الأطفال التعلمية يستلزم دعم تعلم الأطفال بشكل أوسع يشتمل على ممارساتهم الحياتية وخبراتهم التعلمية داخل وخارج المدرسة. 

ولهذا شهدت العقود الماضية اهتماما متزايدا من قبل المتخصصين والباحثين التربويين بدراسة موضوع العلاقة ما بين البيت والمدرسة ودور أولياء الأمور في تعليم وتطوير أبنائهم. كما اعتبرته الأنظمة التعليمية المختلفة - في أمريكا الشمالية، وأوروبا، وأستراليا، وغيرها - من الأولويات التي يتم التركيز عليها في جميع المستويات. وقد تزايد الوعي كذلك بضرورة فهم العوامل الموجودة خارج محيط المدرسة والتعرف على مدى تأثيرها على نجاح الطفل وأدائه في المدرسة. كما تزايد الاهتمام كذلك ببيئة الأطفال الأسرية وثقافاتهم باعتبارها من مصادر التعلم التي تدعم التعلم المدرسي. وازدادت التساؤلات حول مدى الارتباط بين ما يتعلمه الطفل في المدرسة وما يمارسه خارجها في محيط البيئة المنزلية، وكتبت العديد من البحوث التي تسعى نحو الوصول لفهم أفضل وأعمق حول العلاقة ما بين المدرسة وأولياء الأمور وكل ذلك يصب في سعي المربين نحو دعم تعلم الأطفال لأقصى حد ممكن ولا سيما في السنوات التعليمية الأولى. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن لمشاركة أولياء الأمور في العملية التعليمية دورا كذلك في تقليص الفجوة بين الأطفال - من ذوي الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية التي تحتاج إلى رعاية - وأقرانهم من ذوي الظروف الاعتيادية. واستوجب ذلك كله أن تقوم المدرسة بتوفير المعلومات والمواد والموارد التعليمية للأطفال وأولياء أمورهم بطريقة سهلة وميسرة. 

لا يختلف الباحثون ومتخذو القرار، والمعلمون، وأولياء الأمور والمتعلمون على أن العلاقات القوية بين البيت والمدرسة هي أمر جيد. ولكن تشير الدراسات إلى الحاجة إلى فهم أكثر تعمقا لهذه العلاقات المتشابكة والمعقدة كونها تتضمن أطرافا متعددة ولكل طرف منها فهم وحاجات وأدوار معينة. وسنحاول في هذا المقال التعرف على موضوع العلاقة بين البيت والمدرسة من زوايا مختلفة سعيا منا لتقديم مجموعة من القضايا والمفاهيم في هذا المجال.

قدمت جويس أبتسين الباحثة المعروفة في مجال العلاقة بين البيت والمدرسة تصنيفا لستة أنواع من أنشطة مشاركة أولياء الأمور في تعليم أبنائهم وهي كما يلي: 

1. الرعاية الأبوية: ويقصد بها توفير الوالدين لأبنائهم البيئة المنزلية الجيدة التي تدعم التعلم والتي تتضمن توفير الأمن النفسي، والرعاية الصحية، والتغذية الملائمة، وأساليب التربية والتنشئة الإيجابية، تنمية السلوك والقيم والأخلاق، النصح والوعي بأهمية التعليم وغيرها والتي تهيئ الطفل للحياة المدرسية وتؤسس شخصيته وسلوكه ودافعيته نحو التعلم. 

2. التواصل: ويقصد بها عملية التواصل ما بين أولياء الأمور والمعلمين للحصول على معلومات تتعلق بتحصيل الطفل، وسلوكه، وأدائه في الاختبارات، وميوله واهتماماته وغيرها. ويمكن أن تتم عملية التواصل من خلال الزيارات المدرسية، واليوم المفتوح، والاتصالات الهاتفية، والرسائل والملاحظات. وينبغي أن تكون عملية التواصل ذات اتجاهين أي أن المعلم يقدم معلومات لولي الأمر بشأن تحصيل الطفل أو سلوكياته داخل الصف وكذلك ولي الأمر يقدم للمعلم معلومات بشأن شخصية الطفل وميوله واهتماماته وأدائه للأعمال المدرسية في المنزل. 

3. التطوع: وتتضمن تطوع أولياء الأمور في الأنشطة التي تتضمنها المدرسة كالإسهام في الاحتفالات، والمسابقات الرياضية، والرحلات، وتوفير الخبرات أو الدعم المادي. 

4. التعلم في المنزل: ويقصد به مساعدة أولياء الأمور لأبنائهم في أداء الأنشطة التعليمية والمهمات المدرسية، والمذاكرة، والقراءة، والبحث، وعمل المشاريع والتجارب. كما يتضمن مساعدة المدرسة لأولياء الأمور لتقديم الدعم التعليمي الكافي لأبنائهم. فمثلا يمكن إرشاد أولياء الأمور إلى أفضل الطرق والاستراتيجيات التي يمكنهم استخدامها أثناء تعليم أبنائهم في المنزل، وكيفية التغلب على المشكلات السلوكية أو التعليمية التي يواجهها المتعلمون، أو التعرف على المناهج أو المشاريع التربوية الجديدة. 

5. اتخاذ القرار: أي مشاركة أولياء الأمور في عملية اتخاذ القرار في المدرسة كالانضمام إلى مجلس الآباء أو مجلس إدارة المدرسة، أو قيادة وتمثيل مجتمع أولياء الأمور. 

6. التعاون مع مؤسسات المجتمع: وهي العلاقة التعاونية بين الأسرة والمدرسة ومؤسسات المجتمع المختلفة التي توفر خدماتها في المجال الصحي، والديني، والرياضي، والاجتماعي، والعلمي وغيرها. ويتم فيها تحديد واستغلال الموارد والخدمات الموجودة في محيط المدرسة وتوظيفها لتطوير الخدمات المدرسية، وتنمية مهارات أولياء الأمور ورفع التحصيل العلمي والمهارات والقيم لدى المتعلمين. 

ويرى الباحثون أن تصنيف ابستين يتميز بالشمولية حيث إنه يتضمن أنواعا متعددة من الأنشطة التي يمكن من خلالها للمدرسة أن تشجع وتنظم عملية التواصل بينها وبين أولياء الأمور. كما أن هذا الإطار العام يسهل استخدامه في عملية رسم السياسات التربوية واتخاذ القرارات التي تهدف إلى رفع مستوى تفاعل ومشاركة أولياء الأمور. ولكن البعض انتقد تصنيف ابستين بأنه يركز بدرجة كبيرة على مشاركة أولياء الأمور في تعليم أبنائهم بما يتعلق بأمور التعلم المدرسي الرسمي؛ أي أن دور أولياء الأمور مساعدة أبنائهم والمشاركة في تعليمهم يتم بحسب توجيهات وحاجات المدرسة من دون النظر بنفس الدرجة من الأهمية إلى فرص التعلم غير الرسمي التي يمارسها الطفل في المنزل والبيئة الموجودة خارج المدرسة من خلال وسائل الإعلام والتكنولوجيا واللعب وممارسة الهوايات والاستكشاف وملاحظة الآخرين وغيرها من الأنشطة التعلمية المهمة. 

قام جوس وزملاؤه بمراجعة عدد كبير من الدراسات والأدبيات السابقة بهدف الوصول إلى نموذج جديد يوازي تصنيف أبستين المشار إليه سابقا - والذي يركز بدرجة أكبر على إسهام أولياء الأمور في تعليم أطفالهم المهام التعليمية المدرسية. النموذج المقترح من قبل جوس وزملائه يركز على ناحية أخرى وهي دور أولياء الأمور في تعليم أبنائهم داخل المنزل في مهمات تعلمية لا ترتبط بشكل مباشر بالتعلم المدرسي الرسمي. ويعتمد هذا النموذج على فكرة مفادها أن تعلم الأطفال لا يكون محصورا فقط في الوقت الذي يقضونه في المدرسة ولكنهم يتعلمون في سياقات مختلفة وذلك من خلال تفاعلهم مع أفراد الأسرة والأصدقاء وتعلمهم من خلال ممارسة اللعب والهوايات والأنشطة الاجتماعية والثقافية. وبهذا يكون دور ولي الأمر ليس مقتصرا على تعزيز التعلم المدرسي بصورته الرسمية فحسب بل كذلك القيام بالمهام التالية: 

1. توفير بيئة داعمة للتعلم يقوم فيها الوالدان بالإشراف على تعلم الأطفال ودعمهم في الجوانب الأكاديمية (كالمساعدة في حل الواجبات والمذاكرة) وفي الجوانب الشخصية (كتعبير أولياء الأمور عن طموحاتهم وتوقعاتهم الإيجابية بشأن أبنائهم). كما يمارس الوالدان دور القدوة لأبنائهم من خلال نقاشهم مع بعضهم حول أهمية التعليم والمدرسة والتحدث عن خبراتهم العلمية والعملية والتي تعزز قيمة التعليم في نفوس الأطفال. 

2. مشاركة الأطفال في الأعمال المنزلية والتي تدعم تعلم مهارات القراءة والكتابة والحساب وحل المشكلات في المواقف اليومية المتعلقة بالحياة. على سبيل المثال: قراءة القصص والمجلات، والألعاب، والتسوق، والاهتمام بالحيوانات أو المزروعات، والأنشطة الدينية وغيرها من الأنشطة التي قد لا يعتبرها أولياء الأمور أنشطة تعلم حقيقية لأنها تختلف عن التعلم المدرسي التقليدي. 

3. قيام أولياء الأمور بتوفير فرص وأنشطة تعليمية لأطفالهم تعزز ما تعلموه في المدرسة وذلك من خلال الدروس الإضافية الخاصة، والاشتراك في برامج تعليمية مسائية لتعلم لغة أخرى أو تعلم استخدام الحاسوب وما شابه، وزيارة المكتبات والمتاحف. 

4. تشجيع الأطفال على المناقشة والتحدث والتعبير عن آرائهم ولا سيما فيما يتعلق بالتعلم المدرسي، والأنشطة التعليمية خارج المدرسة، واهتماماتهم وأفكارهم. 

قام هالغنسث وزملاؤه بمراجعة الأدبيات السابقة وتوصلوا إلى نموذج يرى أن مشاركة أولياء الأمور في تعليم أبنائهم تعد أمرا أساسيا لتحسين تعلم الأطفال وتطوير العلاقات بين أفراد الأسرة. وتكون هذه المشاركة ذات فعالية عندما تتكون علاقة مستمرة، تبادلية، وإيجابية بين البيت والمدرسة. وقد قدم هؤلاء الباحثون النموذج التالي والذي يعتبر أكثر شمولا لأنه دمج ثلاثة تعريفات ذكرت في الدراسات السابقة نلخصها في العناصر التالية: 

1. تشجع المدرسة أولياء الأمور وتثمن مشاركتهم في عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بتعليم أطفالهم. ويقوم أولياء الأمور بالدفاع عن مصالح أطفالهم من خلال المشاركة الفعالة في عملية اتخاذ القرار. 

2. تعزز المدرسة التواصل المتبادل مع أولياء الأمور وذلك من خلال توفير وسائل اتصال متنوعة تتناسب مع الأسر وظروفها المختلفة. هذا التواصل يمتاز بالاستمرارية والعمق ويتم من خلال (التواصل ثنائي الاتجاه: أي تقديم معلومات من المدرسة لأولياء الأمور والعكس) تعرف المعلمين على حياة الطفل ضمن محيط الأسرة وأنشطة وفرص التعلم المتوافرة فيها، ويتعرف ولي الأمر على بيئة الطفل الصفية والمدرسية ويتعلم المزيد عن طرق التدريس والمحتوى والتقويم وغيرها من عناصر الحياة المدرسية. 

3. تشجع المدرسة عملية تبادل المعلومات مع أولياء الأمور الذين يمتلكون مهارات واهتمامات ومعارف معينة يمكن استغلالها لتعزيز تعلم الأطفال في المدرسة وذلك على سبيل المثال من خلال مشاركتهم في الأعمال التطوعية والأنشطة المدرسية. كما يستفيد المعلمون من التعرف على هذه المعارف الخاصة بأولياء الأمور (المخزون المعرفي) والتي تعكس خصائص ثقافة وحياة الطفل الاجتماعية من خلال دمجها وتوظيفها في المنهج وعملية التدريس الصفيّة. 

4. يسعى المعلمون لتعزيز الارتباط بين ما يتعلمه الأطفال في المدرسة وما يمارسونه من أنشطة في حياتهم اليومية من خلال توفير أنشطة وواجبات تعليمية تؤكد فكرة انتقال أثر التعلم المدرسي على حياة الطفل وتطبيقها في حياته اليومية. بحيث يدرك الطفل أن ما يدرسه في المدرسة ليس مجرد معلومات نظرية بل هي معارف ومهارات وقيم ذات قيمة تمكنه من حل المشكلات التي يواجهها في حياته اليومية وتسهل عليه فهم ما يعايشه من مواقف واقعية. 

5. تعمل الأسرة على توفير البيئة المنزلية المهتمة بالتعلم والتي تدعم التعلم المدرسي وتسهم في تحقيق أهدافه وتدعم الطفل كذلك وتعزز طموحاته وتوفر له فرص التعلم المتنوعة. 

6. تهتم المدرسة بشكل مقصود بعملية تعزيز العلاقة ما بين المدرسة وأولياء الأمور وذلك من خلال اعتباره أولوية في خطط المدرسة وأهدافها تشعر الإدارة المدرسية والمعلمون بأهميتها وينالون التدريب والدعم المناسب للقيام بأدوارهم بشكل فاعل في هذا المجال. 

نستخلص مما سبق أن مشاركة أولياء الأمور في تعليم أبنائهم عملية يمكن النظر إليها من زوايا مختلفة وقدم الباحثون لها معاني وتعريفات متنوعة. ففي السابق كان ينظر إلى هذه العملية أنها عملية تتركز حول دور ولي الأمر في دعم التعلم المدرسي وفقا لشروط وتوجهات المدرسة. بينما تؤكد الاتجاهات الحديثة في التربية وعلم النفس على الأخذ بعين الاعتبار أهمية السياق الاجتماعي التي تتم فيه عملية التعلم وما يحتويه هذا السياق من فرص للتعلم من خلال التفاعل الاجتماعي مع الآخرين وكذلك من خلال الاستفادة من الخبرات التعلمية التي يصادفها المتعلم في حياته اليومية.

‭{‬ كلية البحرين للمعلمين - جامعة البحرين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news