العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

الـتـهـديدات الإيـرانـية وأمـن الـمضائق الدولية

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الجمعة ٠٧ يونيو ٢٠١٩ - 01:00

تناقلت الأنباء مؤخرًا بعضًا من اللمحات المرتقبة لزيارة رئيس الوزراء الياباني «شينزو آبي» المقبلة لطهران، وموضوعها الرئيسي «خفض التوتر القائم بين إيران والولايات المتحدة»، وهو التوتر الذي يهدد تصاعده باشتعال الحرب في المنطقة التي تستورد منها اليابان معظم احتياجاتها النفطية، خاصة مع التهديدات الإيرانية المتكررة بأنه في حالة تصفير صادراتها النفطية بمقتضى العقوبات الأمريكية عليها، فإنها لن تُمكِّن أي من الدول الأخرى من تصدير نفطها عبر مضيق هرمز، وهددت بإغلاقه، ويعد هذا العمل حال تنفيذه، ليس إشعالاً للحرب مع الولايات المتحدة وحدها، ولكن مع العالم بأسره؛ إذ يؤدي إلى حرمان الاستهلاك العالمي من النفط البالغ 100 مليون برميل يوميًّا من نحو خمس هذا الرقم، فعبر مضيق هرمز مر في 2016 نحو 18.5 مليون برميل يوميًّا، وفي 2017 بلغ هذا الرقم 17.2 مليون برميل، وفي 2018 بلغ نحو 17.4 مليون برميل، ويؤدي حرمان العالم من هذه الكميات إلى تهديد أمن الطاقة العالمي، وارتفاع أسعار النفط، وحرمان الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها اليابان والصين والهند وكوريا، من الشريان الرئيسي لإمدادها بالطاقة، فضلاً عن الأضرار البالغة التي تلحق باقتصادات دول الخليج العربية.

وإذا كانت إيران قد أعربت عبر تصريحات مسؤوليها عن هذا التهديد في الآونة الأخيرة، إلا أنها ليست المرة الأولى، فقد سبق أن صرحت بهذا التهديد إبان الحرب العراقية الإيرانية 1980- 1988. لكنها لم تنفذه، كما جددت هذا التهديد في 2011 تزامنًا مع العقوبات الدولية ضدها، ولم تنفذه أيضًا، ليس لأنها بسبب هذا العمل ستخنق نفسها، إذ تمر عبر هذا المضيق صادراتها من النفط والغاز، ولكن تجنبًا لعواقب هذا الإغلاق، فهو بداية النهاية للنظام الإيراني الذي يضع نفسه بهذا العمل في حالة عداء مع العالم، ومن الجدير بالذكر التدفقات العسكرية الأمريكية الأخيرة إلى مياه الخليج العربي. 

ووفقًا للقانون الدولي لا يعد مضيق هرمز مياهًا إقليمية، ولكنه جزء من أعالي البحار، ومن ثَم فإن لكل السفن الحق والحرية في المرور فيه، ما دام لا يضر بسلامة الدول الساحلية أو يمس نظامها وأمنها، وفي 30 أبريل 1982 تم اعتماد الاتفاقية الدولية لقانون البحار، وأهم ما فيها المادة 38 التي تنص صراحة على تمتع جميع السفن العابرة للمضائق الدولية، بما فيها مضيق هرمز بحق المرور من دون عراقيل، سواء أكانت هذه السفن والناقلات تجارية أو عسكرية، وخلال مؤتمرات مناقشة قانون البحار حاولت إيران في كل مرة الحصول على الحق في الإشراف على المضيق، ولكن طلبها قوبل بالرفض من جميع المشاركين.

ومن المعلوم أن مضيق هرمز يعتبر واحدًا من أهم الممرات المائية العالمية، وأكثرها نشاطا لحركة السفن، يقع في جنوب الخليج العربي، ويفصل مياه خليج عُمان عن بحر العرب، وتطل عليه إيران من الشمال وسلطنة عُمان من الجنوب، ويحمل المضيق اسم الجزيرة التي تقع في مدخله، وتاريخيًّا كانت هذه الجزيرة مملكة تحكمها أسرة عربية من عُمان، ثم احتلها البرتغاليون عام 1515. إلى أن طردهم منها البريطانيون والإيرانيون عام 1632. ومنذ هذا الوقت وهي تتبع إيران، وبخلاف هذه الجزيرة توجد جزر أخرى في مدخل المضيق (وهي جزيرتا قشم ولاراك الإيرانيتان، وجزر طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى الإماراتية الواقعة تحت الاحتلال الإيراني منذ 1971؛ لتعزيز قدرتها على التحكم في هذا المضيق)، وعبر مضيق هرمز يمر 40% من الإنتاج العالمي من النفط المنقول بحرًا، و88% من صادرات النفط السعودي، و98% من صادرات النفط العراقي، و99% من النفط الإماراتي، وكل صادرات نفط إيران والكويت والبحرين وقطر، واليابان هي أكبر مستوردي النفط العابر لهذا المضيق، ويعتبر المضيق هو المنفذ البحري الوحيد للعراق والكويت والبحرين وقطر.

وتحسبًا لإقدام إيران على إعاقة المرور في مضيق هرمز في التهديدات السابقة كانت دول الخليج العربية قد قامت بإيجاد بدائل؛ ففي 2012 أعلنت السعودية فتح خط الأنابيب العراقي عبر السعودية، وهو ينقل النفط من العراق عبر السعودية إلى البحر الأحمر بطاقة 1.65 مليون برميل يوميًّا، وفي نفس العام بدأت الإمارات تستخدم خط أنابيب «جيشان الفجيرة» الذي يتخطى مضيق هرمز، وتبلغ طاقته 2 مليون برميل يوميًّا، وتسببت الأحداث الأخيرة في اليمن في تعطيل المشروع السعودي لنقل النفط عبر الأنابيب إلى سلطنة عُمان واليمن، كما عطّلت أحداث سوريا نقل النفط العراقي عبر الأنابيب داخل الأراضي السورية إلى البحر المتوسط، وعلى الرغم من ذلك ما زالت هذه الأنابيب لا تمثل بديلاً كاملاً لنقل النفط الخليجي عبر مضيق هرمز.

ولكن هل هناك إمكانية مادية لطهران (بغض النظر عن القرار السياسي) بإغلاق مضيق هرمز؟ فمن الناحية النظرية توجد هذه الإمكانية عن طريق السفن الحربية والصواريخ، والأخطر منهما الألغام البحرية التي تقوم إيران بزرعها، وتستغرق إزالتها شهورًا، خاصة في أضيق نقطة في المضيق، ومن الناحية السياسية يعد إغلاق المضيق انتحارًا اقتصاديًّا لإيران صاحبة ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم، ورابع أكبر احتياطي نفط في العالم، وعبر هذا المضيق تمر كل صادراتها من النفط والغاز، ومن غير المنطقي أن تُقبِل إيران على إيذاء نفسها على هذا النحو، خاصة مع تفاقم أوضاعها الاقتصادية سوءًا، كما أن مَنْ تعتبرهم أصدقاء قد يمكن أن تعتمد عليهم؛ كاليابان وباكستان والصين، لن يقبلوا بهذا العبث الإيراني.

وفضلاً عن تهديد مضيق هرمز تمتد التهديدات الإيرانية إلى مضيق باب المندب عن طريق الحوثيين، وفي هذا المضيق تبلغ المسافة بين ضفتيه نحو 30 كم، وتفصل جزيرة بريم اليمنية المضيق إلى قناة شرقية (باب الإسكندر) عرضها 3 كم وعمقها 30م، وغربية (دقة المايون) عرضها 25 كم وعمقها يصل إلى نحو 310م، والأهمية الاستراتيجية لهذا المضيق ترجع إلى ارتباطه بمضيق هرمز من ناحية، وقناة السويس من ناحية أخرى، ويقدر عدد السفن وناقلات النفط العابرة من مضيق باب المندب في الاتجاهين بـ21 ألف سفينة سنويًّا، تساوي 30% من نقل النفط في العالم، وتهديد الملاحة عبر المضيقين وقناة السويس يحوِّل السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح، ويربط هذا المضيق كما هو معلوم المحيط الهندي بالبحر الأحمر إلى قناة السويس وإلى البحر المتوسط، وبعد هجوم الحوثيين على سفينتين محملتين بالنفط في عام 2018 أعلن وزير النفط السعودي خالد الفالح تعليقًا فوريًّا مؤقتًا لجميع صادرات النفط عبر مضيق باب المندب.

ومن المعلوم أن السعودية تقود منذ أكثر من 3 أعوام تحالفًا عسكريًّا للحرب ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن؛ حيث تسعى إيران لتعزيز قدرتها على التحكم في أهم المضائق المائية الدولية، كورقة ضغط تستخدمها لإحراز مكاسب سياسية، ومن المعلوم أيضًا أن مضيق باب المندب يتمتع بأهمية عسكرية وأمنية كبيرة، فبعد أحداث سبتمبر 2001 حرصت القوات الأمريكية على الوجود قريبة منه لحماية أمن الملاحة في المضيق في مواجهة تنظيم القاعدة والقرصنة، وردًّا على رسائل إيران الأخيرة باستهداف سفن حربية سعودية قررت الإدارة الأمريكية إرسال مدمرة إلى باب المندب، هذا فضلاً عن قاعدتها العسكرية في جيبوتي.

ولم يكن سعْي إيران لتعزيز وجودها عند مضيق باب المندب عن طريق الحوثيين فقط، ولكن بالوجود في الطرف الآخر من المضيق بتعزيز علاقاتها مع إريتريا، والتهديدات الإيرانية بغلق باب المندب لا تستفز فقط دول الخليج العربية، ولكنها تستفز مصر أيضا، حيث تهدد بذلك قناة السويس أهم شرايين التجارة العالمية بين الشرق والغرب. وفي أغسطس 2018 صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن إقدام إيران على غلق باب المندب سيضعها في مواجهة تحالف دولي تنضم إليه تل أبيب بكل أسلحتها.

وإزاء ما مثلته التهديدات الإيرانية بغلق باب المندب من مساس بأمن واستقرار واقتصادات الدول العربية على البحر الأحمر كانت السعودية قد أعلنت في ديسمبر 2018 أنه قد تم الاتفاق على فكرة تأسيس كيان لدول البحر الأحمر يعزز الأمن والاستثمار والتنمية لدول الحوض، ويضم كلا من: السعودية ومصر والسودان وجيبوتي واليمن والصومال والأردن.

وتمثل تهديدات إيران بإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي والأمن القومي لدول الخليج العربية، وكان ذلك وراء دعوة الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى عقد القمم الاستثنائية الخليجية والعربية في مكة المكرمة، في 30 مايو، فضلاً عن قمة منظمة التعاون الإسلامي، حيث استهدفت هذه القمم الوصول إلى موقف موحد إزاء التهديدات الإيرانية، التي أصبحت جميع الدول الأعضاء في مرماها، خاصة بعد أن تعرضت سفن ومنشآت خليجية لأعمال تخريب إيرانية، تمثل إرهاصات مساعي إيران المساس بأمن الملاحة في المضائق الدولية، ما يمثل تحديا للأمن القومي العربي، ويتطلب الحاجة إلى موقف موحد حماية لمصالح وأمن دول مجلس التعاون، بل والدول العربية كلها، ومطالبة العالم إيران باحترام القوانين والمعاهدات الدولية ومبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وختاما، يبدو أن خروج القمم الثلاث الخليجية والعربية والإسلامية بموقف موحد إزاء التهديدات الإيرانية استشعارًا لحاجة الأمن والاستقرار الدوليين، وأمن واستقرار المنطقة والأمن القومي العربي، بالذود عنه، يضيف إلى الضغوط الواقعة على النظام الإيراني، وهذا الموقف مع العقوبات الأمريكية لا يجعلان أمام النظام الإيراني بابًا للخروج من أزمته إلا بالتفاوض، وقد يجد في زيارة «شينزو آبي» الذي يتسم بعلاقات مصالح قوية مع إيران من ناحية، والولايات المتحدة من ناحية أخرى، فرصة للخروج بحل يحفظ له ماء الوجه، وإذا كان النظام الإيراني قد قَبِل بتقديم تنازلات في 2015 بعد مفاوضات طويلة، فإنه في المرحلة الحالية ليس أمامه إلا تقديم تنازلات أيضًا، وفي مقدمتها وضع برنامجه الصاروخي في إطار الاتفاق النووي، والتزامه بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانه، وإعلانه الانسحاب الرسمي من سوريا، وتسوية الأزمة اليمنية، ووقف دعمه للمنظمات الإرهابية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news