العدد : ١٥١٢١ - السبت ١٧ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢١ - السبت ١٧ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

رسائل

تطور التكتيكات الهجومية لتنظيم داعش.. «سريلانكا» نموذجًا

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

الخميس ٠٦ يونيو ٢٠١٩ - 11:34

هجمات سريلانكا دليل على نقل «داعش» عملياته من الشرق الأوسط إلى الدول الأكثر ضعفًا 

التنظيم يعمل على اجتذاب الأقليات المسلمة المحرومة من حقوقها وتجنيدها ضمن صفوفه


تزامنا مع الاحتفالات بعيد القيامة شهدت سريلانكا سلسلة هجمات عنيفة، يوم 21 أبريل استهدفت عدة كنائس وفنادق في العاصمة «كولومبو»، قامت بها «جماعة التوحيد الوطنية»، المنتمية إلى تنظيم داعش، مخلفة وراءها أكثر من 350 قتيلاً وما يزيد على 500 مصاب، فيما عرف بـ«أحد السعف الدامي»، وهو أعنف حادث يضرب البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 2009.

ويعد الهجوم أحد المخاطر الحديثة على المجتمع السريلانكى. ويوضح «آلان كينان»، من «مجموعة الأزمات الدولية»، أن «تلك الأصوات المتطرفة ظهرت في السنوات الأخيرة بين المسلمين في سريلانكا، لكنها اقتصرت على المسلمين الآخرين ولم تشمل الطوائف الأخرى، كما شملت معظمها أعمال تخريب وهجمات متفرقة».

وتشير الدلائل إلى تورط تنظيم «داعش»، والذي أعلن بالفعل مسؤوليته عن تلك الهجمات الإرهابية. ويؤكد «بيل روجيو»، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، أن «الهجوم على غرار الهجمات التي يقوم بها التنظيم؛ وذلك بالنظر إلى الأهداف التي تمثلت في المسيحيين والأجانب». ويُعتقد أن ارتكاب مثل هذا الهجوم واسع النطاق، وتزامنًا مع عيد الفصح هو انتقام للهجوم على مسجد «كرايستشيرش» في نيوزيلاندا والذي أسفر عن مقتل أكثر من خمسين شخصًا.

ووفقا لعديد من المحللين، فإنه بعد إعلان سقوط التنظيم في سوريا والعراق وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذلك في 22 مارس الماضي؛ بدأ «داعش» يبحث عن وجود جديد له، وبما أنه موجود بشكل كبير في إفريقيا واستطاع أن يخترق «أوروبا»، لم يتبق أمامه سوى آسيا، خاصة سريلانكا؛ لأن هذه الدولة بها تنوع جغرافي وعقدي يسمح باختراقها. ووفقا للتعداد السكاني الذي أجري في البلاد عام 2012. «يمثل البوذيون 70%، يأتي بعدهم الهندوس بنسبة12% ثم المسلمين 9.7% ثم الكاثوليك 6%». ولعل هذا التنوع العقدي هو ما يجذب التنظيمات المتطرفة للقيام بعملياتها الإرهابية. 

وقام داعش بهجمات سابقة على العديد من دور العبادة؛ ابتداءً من الهجوم على كنائس الأقباط في مصر وحتى الكنائس الكاثوليكية في فرنسا، مرورا بتنفيذ انتحاريين هجمات أسفرت عن مقتل العشرات في كنائس بصربيا وإندونيسيا، وشن هجمات في الفلبين ضد كاتدرائية «جولو» التي أسفرت عن مقتل 20 شخصًا وإصابة ما يزيد على 100 آخرين. وبدورها، أشارت صحيفة «لوباريزيان» الفرنسية إلى أنه «للمرة الرابعة خلال عقد من الزمن استهدف المسيحيون في باكستان ونيجيريا والفلبين».

ويعد هذا الهجوم هو الأكثر دموية للتنظيم خارج حدوده التقليدية بين العراق وسوريا. وفي المقابل يوضح كيف استطاع داعش تطوير استراتيجياته، فبدلاً من أعماله الإجرامية في سوريا والعراق، استهدف دور العبادة، والفنادق التي يقيم بها السياح المسيحيون. ويشير «جيمس هوكواي» في صحيفة «وول ستريت جورنال»، إلى أن «الهجوم استهدف المسيحيين على نحو دقيق، سواء مسرح وقوعه، في الكنيسة أو في الفنادق، ووقت تنفيذه خلال عُطلة عيد الفصح». وأوضح تقرير لصحيفة «الا يكونوميست»، أن «الهجمات المتفرقة التي تستهدف المسيحيين على وجه الخصوص تعكس اتجاهًا متزايدًا لدى المنظمات الإرهابية بمحاربة أهداف دينية وليس مجتمعات وطنية أو عرقية»، وأن «عدد الأشخاص الذين قتلوا في الهجمات التي تحدث على المساجد والكنائس ودور العبادة الأخرى في العقد الماضي زاد بشكل أكبر وأسرع من الهجمات التي تستهدف أماكن أخرى».

ويربط بعض المحللين بين نهج داعش وبين التطورات الأخيرة التي حدثت في الشرق الأوسط؛ بسبب فقدانه معظم أراضيه، ما جعل التنظيم يعمل على توحيد وتوسيع شبكة متمرديه العابرة للحدود والتي تعمل بسرية في بعض الدول من خلال قوات محلية وعناصر داخلية تابعة لها، مثل «جماعة التوحيد الوطنية» في سريلانكا، و«بوكو حرام» في نيجيريا، سائرة على خُطى تنظيم القاعدة في الألفينيات. ويؤكد «إلياس جرول» في مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، أنه «على الرغم من فقدان داعش لمركز خلافته الرئيسي في سوريا والعراق على أيدي التحالف الدولي، فإنه تمكّن من استعراض قوته من خلال هجوم سريلانكا، مؤكدا بذلك استمرار قدرته على إلهام، وربما التخطيط لشن هجمات وحشية في مختلف أنحاء العالم». 

ويمكن القول إن هجمات سريلانكا اتسقت والعناصر المحددة لسلوك داعش، والتي تُفسر سبب اختياره لتنفيذ الهجوم الأخير، وهي: 

أولا: اختيار الدول التي نادرًا ما تواجه مثل هذه الهجمات على أيدي التنظيم، فالبلدان التي لم يكن للإرهاب فيها جذور تاريخية أو شواهد حديثة عرضة للهجمات بسبب عدم استعداد أجهزتها الاستخباراتية لمثل هذه التهديدات. ويؤكد «بروس هوفمان» من «مجلس العلاقات الخارجية»، أنه «نظرًا إلى الحرب الأهلية التي دامت قرابة ثلاثين عامًا في سريلانكا، والتي انتهت قبل عقد بهزيمة الحركة الانفصالية، فإنه على الأرجح ركز ضباط المخابرات والأمن على مراقبة طائفة «التاميل» في البلاد ومنع عودتها ثانية؛ ولذلك كان التركيز أقل بكثير على الطائفة المسلمة قليلة العدد»، مضيفا أن «التراخي كان بإمكانه أن يخلق فرصة لجماعة محلية متطرفة بتشجيع أو بدعم خارجي للخروج من الخفاء وارتكاب مثل هذه الهجمات المميتة».

وكتب «هارون زيلين» من «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، أنه، «قد نشهد تكتيكًا جديدا من خلال مهاجمة المواقع المستهدفة عبر شبكات من المقاتلين الأجانب التي لا تخضع لإجراءات أمنية وتدابير قوية لمكافحة الإرهاب، ما يجعل فرصة حدوث هجمات مروعة أكثر وطأة مما مضى».

ثانيا: وجود مقاتلين في البلدان المستهدفة عائدين من القتال في صفوف التنظيم في أعقاب الانهيار الإقليمي وخسارة أراضيه. وفي هذا الصدد، يقول «دانييل بيمان»، من «معهد بروكينجز»، إنه «عندما يغادر الأفراد ويسافرون إلى منطقة حرب أجنبية، غالبًا ما يتغيرون كثيرًا»، وغالبًا ما يظهرون أكثر مهارة نتيجة لما تلقوه من تدريب».

ورغم أن سريلانكا لم تشهد إلا سفر القليل من مواطنيها للقتال في صفوف داعش، حيث شارك 41 مسلمًا في صفوفه منذ 2015. ولم يعد منهم إلا اثنان، يتوقع المحللون أن هؤلاء المقاتلين ساعدوا في ارتكاب هذه الهجمات من خلال المشاركة المباشرة أو عن طريق تدريب الشركاء المحليين التابعين لهم على أنشطة مثل صنع القنابل. ويؤكد «مايكل ليتر»، في صحيفة «واشنطن بوست» أنه، «لم يكن هناك عدد كبير من المواطنين السريلانكيين هناك، ولكن الأمر يتطلب واحدًا أو اثنين فقط للعودة وإلهام مجموعة محلية لتوحيد نفسها آيديولوجيا وتكتيكيا مع منظمة جهادية عنيفة على المستوى العالمي».

ثالثًا: استغلال الانقسام الاجتماعي والظروف الداخلية للدولة لإثارة النزاعات المحلية، ويظهر هذا العنصر بشكل ما في سريلانكا التي تعاني انقسامًا عميقًا بسبب التوترات العرقية والدينية الناجمة عن تمرد «نمور التاميل الانفصاليين» على النظام، والتي استمرت فترة طويلة وحصدت أرواح 65 ألف شخص وانتهت عام 2009. وجعلت الولايات المتحدة تدرج منظمة نمور التاميل، منظمة إرهابية عام 1997. فكل هذه العوامل تزيد الهشاشة الاجتماعية، وهو ما تستغله داعش لإثارة «التوتر بين فصيلين لم يتورطا في أي صراع مدني داخل تلك الدولة، وهما المسلمون والمسيحيون»، خاصة أنه بعد هذه الحرب، أصبحت هناك حالة من الهدوء الشديد استغله التنظيم في محاولة لإحياء أو إقامة دولته أو إثارة الفوضى حتى يتمكن من الوجود فيها. 

ويقول «جوشوا كيتنيغ» في مجلة «سلايت»، الأمريكية، إنه «للحفاظ على نفسه قويًا وتحت دائرة الضوء، يعمل داعش على إقحام نفسه في صراعات طويلة الأمد، بما في ذلك النزاعات الموجودة، كما هو الحال في سريلانكا؛ ولا سيما أن التطرف والتعصب الإسلامي يكاد يلعب دورًا ضئيلاً لإشعال فتيل هذه النزاعات». 

رابعا: استغلال التدابير الانتقامية ضد المسلمين في بعض البلدان، والذين يقع عليهم اللوم عند حدوث هجمات إرهابية. ومن المرجح أن الأعمال الإرهابية التي طالت سريلانكا في عيد «الفصح» ستثير عمليات القمع والاستعداء ضد الجالية المسلمة هناك، ما سيكون بمثابة أداة تجنيد لداعش التي ستعمل عن طريق الدعاية على تجنيد المسلمين الذين يشعرون بوطأة الحرمان من حقوقهم، وأشارت صحيفة «الجارديان»، إلى أن «خسارة هذه الأرواح البريئة ستبث الفرقة بين السريلانكيين».

ويخلص «آلان كينان» إلى أن «الصراع بين الطائفتين والانشقاق بينهما هو بالضبط ما يأمل تنظيم داعش أن يثيره، ومن ثم، هناك حاجة إلى بذل المزيد من الجهود لتجنب أي شيطنة أو تشويه لصورة الجالية المسلمة في سريلانكا، وإلا فإن البديل سيكون تقويض سلطة رجال الدين المسلمين الذين يشعرون بالرعب جراء أعمال العنف، مع رغبتهم في احتوائه، وتعميق الشعور بالعزلة والاستعداء لدى بعض الشباب المسلمين والتي يشعرون بها بالفعل».

على العموم، تعد الهجمات التي شهدتها سريلانكا دليلاً على النهج الاستراتيجي والتكتيكي الجديد لتنظيم داعش بنقل عملياته من الشرق الأوسط إلى الدول الأكثر ضعفًا، وهو ما تجلى في هجمات عيد الفصح الطائفية التي عكست سبلاً لتكيفه مع الظروف المتوترة في الدول المختلفة، وكيفية تحديد مكان شن هجماته، والأهمية الرمزية للهجوم الذي سيعمل على اجتذاب الأقليات المسلمة المحرومة من حقوقهم وتجنيدهم ضمن صفوفه؛ وهو ما يفرض تحديا جديدًا أمام التدابير العالمية لمكافحة الإرهاب.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news