العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

هل تكون الحرب بالوكالة مستقبل الحروب في العالم؟

بقلم: إيزابيل لاسير 

الأربعاء ٠٥ يونيو ٢٠١٩ - 11:09

 

لقد كانت الحروب بالوكالة حاضرة بقوة في فترة الحرب الباردة ما بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي. بعد ذلك تراجع الاعتماد على الحروب بالوكالة ليترك مكانه لوضع الاستراتيجيات المباشرة. ها هي الحروب بالوكالة تعود بقوة بسبب الصدام الجديد ما بين القوى العالمية أو القوى الإقليمية.

تتداخل القوى الإقليمية والدولية في إدارة الحروب بالوكالة عندما يحتدم التنافس فيما بينها على النفوذ في المناطق الحيوية في العالم، علما بأن هذه القوى الإقليمية والدولية لا تريد في الواقع الدخول في حروب وصدامات مباشرة.

في كثير من الأحيان تتحول الدول الأصغر إلى مسرح للحروب بالوكالة ذلك أنها، رغم صغر حجمها، تعتبر في نظر هذه القوى الإقليمية والدولية ذات قيمة استراتيجية أو جغرافية أو اقتصادية. يمكن أن تدار هذه الحروب بالوكالة من خلال تقديم كل الدعم اللازم للتنظيمات  والجماعات والأحزاب السياسية، علما بأن هذه الأساليب لا تزال تمارس حتى اليوم. 

وقد شهد العالم القديم العديد من هذه الحروب بالوكالة، بينما انتشرت هذه الحروب أكثر في العالم الحديث وخصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والغرب وبين الاتحاد السوفيتي.

يمكن أن نذكر في هذا الصدد أشهر الحروب بالوكالة مثل الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـــ 1939)، التي اشتعل فتيلها بعد أن تمرد الجيش بقيادة الجنرال فرانكو على الحكومة اليسارية قبل أن يتحول التمرد إلى حرب أهلية تدخل فيها أكثر من خمسين دولة.

منذ متى بدأت الحروب بالوكالة؟

بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1989 كانت أغلب الحروب المعاصرة في تلك الحقبة مباشرة. كان الصرب يحاربون الكروات والمسلمين قبل أن يتدخل الحلف الأطلسي ويضع حدا للاقتتال ويكرس بالتالي تفكك يوغسلافيا السابقة. 

وجد الروس أنفسهم يحاربون المقاتلين الانفصاليين في الشيشان فيما كان الفلسطينيون يواجهون إسرائيل. أما دول ساحل العاج وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومالي فقد كانت تعيش على وقع حركات التمرد والمحاولات الانقلابية أو الحروب الأهلية قبل ان تتدخل القوات العسكرية الفرنسية كي توقفها أو على الأقل تحتويها وتحول دون اتساع رقعتها. 

بدأت الحروب بالوكالة منذ عدة أعوام، إذ ان بعض القوى تعمد إلى الدخول في مواجهة غير مباشرة من خلال الاعتماد على الأطراف الوسيطة التي تدعمها عسكريا وماليا وتدريبيا ولوجستيا وحتى استخباراتيا والأمثلة على ذلك كثيرة. 

لقد كانت عودة إلى ذهنية الحرب الباردة. في تلك الفترة لم يكن يمكن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، القوتين النووية العظميين، الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة لأن مثل تلك المواجهة المباشرة كانت ستعود بعواقب وخيمة على البلدين كليهما أولا وعلى كل البشرية. 

يقول الجنرال فنسون ديسبوت، المدير السابق للمدرسة الحربية الفرنسية: «استعانت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي على حد السواء بالأذرع والخلايا في الحروب والمواجهات والنزاعات العسكرية بالوكالة. تجلى ذلك على سبيل المثال في عديد الدول مثل الموزمبيق ولاوس». 

منذ نهاية فترة التسعينيات من القرن العشرين كانت حصيلة التدخلات العسكرية الغربية سلبية وغير مجدية وهو ما دفعها الى دعم الحروب بالوكالة. لم يؤدّ التدخل العسكري الغربي في أفغانستان والعراق وليبيا إلى تحقيق الاستقرار بل انه فجّر عدة تحديات باتت تهدد المصالح الغربية، ناهيك عن موجات الهجرة من الدول الافريقية والتي تتدفق على دول الاتحاد الأوروبي بشكل غير مسبوق.

يقول الجنرال ديسبورت: «لم تعد الدول الغربية قادرة على تحمل تبعات سفك الدماء والقتال، إلا إذا كان الأمر يتعلق بحث جسيم أو خطر داهم. كانت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) آخر حرب شاملة تنتصر فيها الولايات المتحدة الأمريكية». 

أما الحروب الأخرى التي نشبت في فيتنام وكوريا فقد تكبدت فيها القوى الغربية هزائم ولم تحقق النصر العسكري المأمول، حتى ان الحرب الفيتنامية تحولت إلى مستنقع حقيقي ظل طويلا يؤرق الولايات المتحدة الأمريكية كما سبق لفرنسا الاستعمارية أن تكبدت هزيمة عسكرية مريرة في فيتنام. 

شهدت الفترة الماضية تراجع أهمية الاتفاقيات الثنائية وخاصة منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما تسبب في تصاعد التوتر وازدياد التوترات والصدامات غير المباشرة. 

على غرار ما كان يحدث في فترة الحرب الباردة أصبحت الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، تدافع بأكثر شراسة عن مناطق نفوذها، معتمدة عند الضرورة على الأطراف الوسيطة والأذرع والخلايا، غير أن ذلك كله يتم على حساب الدول الضعيفة. 

ما هي أهم الحروب بالوكالة؟

تعتبر سوريا أبرز مثال معاصر على شراسة الحروب بالوكالة. ففي سنة 2011 اندلع الصراع ما بين نظام دمشق بزعامة بشار الأسد والأطراف المتمردة على نظامه في خضم ما يسمى «الربيع العربي». بعد مرور ثمانية أعوام تحول ذلك الصراع إلى حرب متدرجة على مراحل، ما لبثت أن فرخت عدة حروب. فقد دخلت الولايات المتحدة الأمريكية ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وبلاد الشام، كما تحولت سوريا إلى ساحة للمواجهة ما بين إيران الشيعية وأذرعها من ناحية والجماعات المسلحة السنية من ناحية. 

دخلت بعد ذلك روسيا وتركيا وإسرائيل على خط الحرب في سوريا. كانت هناك أيضا حرب داخل الحرب ما بين إسرائيل وإيران وما بين تركيا والأكراد، علما بأن سلطات أنقرة ظلت تحارب مقاتلي حزب العمال الكردستاني منذ فترة الثمانينيات من القرن الماضي. 

اندلع في الآونة الأخيرة صراع بالوكالة في دولة فنزويلا الغنية بالنفط والتي تتخبط في أزمة سياسية واقتصادية خانقة رغم أنها تربض فوق محيط من النفط. يدور الصراع الظاهري ما بين الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو، المدعوم من روسيا والصين على وجه الخصوص، وخصمه اللدود خوان غوايدو المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية الممثلة في الاتحاد الأوروبي.. أي من العالم الديمقراطي والليبرالي بصفة عامة. 

اصطفت الدول ذات الأنظمة الشمولية والدكتاتورية وراء نظام الرئيس نيكولا مادورو مثل روسيا والصين وإيران وكوبا وتركيا وبوليفيا. إذا ما أخرجنا تركيا من هذه المعادلة فإننا سنجد اليوم على الساحة الداخلية الفنزويلية نفس الشرخ الذي ظل قائما منذ سنة 2010 في سوريا ما بين أنصار بشار الأسد ومعارضيه المدعومين بدورهم من أطراف أخرى ذات مصالح متقاطعة. 

لا شك أن هذه التحالفات لها جذور إيديولوجية واقتصادية، علما بأن روسيا ترى فيها أداة لخلق صعوبات وتحديات متصاعدة أمام سلطات واشنطن في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأمريكية. 

في هذا الصدد تقول جوليا جورغانوس من مؤسسة كارنيجي في دراسة حديثة: «تعتبر سلطات الكرملين أن مكاسبها في أمريكا الوسطى والجنوبية تمثل رد فعل انتقاميا لما تعتبره تدخلا أمريكيا في الحديقة الخلفية لروسيا، على غرار جورجيا وأوكرانيا». 

هرعت روسيا والصين للتعبير عن وقوفها إلى جانب الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو لأسباب اقتصادية أيضا لأن موسكو وبكين قدمتا قروضا مالية لسلفه هوغو شافيز في مقابل الكثير من المصالح النفطية في فنزويلا، وهما تريدان استعادة تلك الأموال من دون التدخل في الأزمة الفنزويلية. تبدي روسيا والصين أيضا معارضتهما التقليدية المألوفة للنموذج الاقتصادي الغربي. 

هل تصاعد التوترات والصراعات في العالم ناجم عن العولمة؟ 

يعتبر الخبراء أن عودة الحروب بالوكالة ناجمة أساسا عن المخاض الجيو-سياسي الذي تشهده المرحلة الحالية وما يرافقه من غموض وتصاعد التوترات، الأمر الذي بات يهدد بنشوب النزاعات المسلحة وتصاعد وتيرة الحروب بالوكالة ويؤجج بالتالي موازين القوة. 

لا شك أيضا أن هامشية الدور الاستراتيجي الأوروبي وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من منطقة الشرق الأوسط في ظل إدارة الرئيس الأمريكي الديمقراطي السابق باراك أوباما قد خدم مصلحة إيران التي تمددت بشكل غير مسبوق في المنطقة العربية، كما ترك الساحة فارغة للقوى الجديدة التي هرعت طمعا في ملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة الأمريكية وراءها. 

لم تستطع روسيا حتى اليوم أن تتجاوز تلك الهزيمة التي تكبدتها خلال الحرب الباردة التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الاشتراكي، وهي تريد أن تثأر اليوم من الولايات المتحدة الأمريكية. 

استطاعت روسيا بقيادة الرئيس فلادمير بوتين أن ترفع رأسها من جديد دبلوماسيا وتتسلح من جديد حتى تستعيد مكانتها كقوة عظمى يحسب لها ألف حساب على ساحة الأحداث العالمية كما كان الأمر في الماضي، أي قبل انهيار الاتحاد السوفيتي وعلى امتداد فترة الحرب الباردة. 

تدخلت روسيا بشكل مباشر في النزاعات المختلفة، كما أنها ظلت تقدم الدعم للجماعات والدول الحليفة لها في مختلف النزاعات. هكذا استعادت روسيا قدرا كبيرا على الساحة العالمية، وهو ما ساهم في إعادة بعض التوازن في العلاقات الدولية. 

استطاعت روسيا بقيادة الرئيس فلادمير بوتين أن توسع إشعاعها، وقد أثبتت أنها لا تتخلى عن حلفائها، على عكس الولايات المتحدة الأمريكية. ظلت روسيا أيضا تدافع عن نموذجها المتمثل في الدفاع عن النظم القائمة.. من سوريا إلى فنزويلا وغيرها. في سنة 1999 وخلال الحرب الدائرة في إقليم كوسوفو فشلت روسيا، التي كانت ضعيفة آنذاك، في حماية النظام اليوغسلافي. 

لم تستطع روسيا أيضا التصدي للغزو العسكري الأمريكي في العراق أو الغزو العسكري الغربي الذي أسقط نظام العقيد معمر القذافي وأدخل ليبيا منذ ذلك الحين في أتون الصراعات. لم تنس روسيا ذلك أبدا. 

يمكن أن نفسر العودة القوية للحروب بالوكالة باحتدام الصراعات السياسية والدينية ما بين السنة والشيعة، وقد احتدم هذا الصراع وازداد مرارة منذ الغزو العسكري الأمريكي للعراق سنة 2003. فقد كانت تلك الحرب الكارثية التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية في بلاد ما بين النهرين نقطة البداية للتوسع الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما أثار حفيظة ومخاوف العالم الاسلامي السنة، وخاصة الدول الخليجية. أصبحت سوريا واليمن مسرحا لهذه الصراعات.

يقول الجنرال ديسبورت الذي أصبح أستاذا للعلوم السياسية في كلية العلوم السياسية: «لأن ازدياد الاعتماد على الحروب بالوكالة في الصراعات المعاصرة يهدف إلى التعويض عن تراجع فعالية الاستراتيجيات التقليدية والعادية في إدارة النزاعات. تهدف هذه الحروب بالوكالة أيضا إلى التغطية على ازدياد عجز الجيوش الحديثة عن مواجهة الخصوم غير المتكافئين أو غير التقليديين».

لا شك أيضا أن التدخلات العسكرية المباشرة تدوم طويلا وتكلف كثيرا. فقد أهدر ت الولايات المتحدة الأمريكية عشرات المليارات من الدولارات في أفغانستان من دون أن تنجح في نهاية المطاف، بعد أعوام من الجهود والمعارك، في الحيلولة دون عودة حركة طالبان بقوة للسيطرة على جزء كبير من دولة أفغانستان. نفس هذا المسار عاشته مختلف القوى العظمى الأخرى مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا.

إذًا لجأت إيران إلى خلاياها وأذرعها وتنظيماتها التي تدور في فلكها، على غرار مليشيا تنظيم حزب الله اللبناني من أجل استهداف إسرائيل، ذلك أن إيران تعاني في حقيقة الأمر من ضعف إمكانياتها العسكرية في مواجهة إسرائيل التي تتفوق عليها على المستويين العسكري والتقني. هذه هي استراتيجية الضعيف في مواجهة القوي، والاستراتيجية المثالية التي يمكن أن تعتمدها قوة تريد أن تجعل الآخرين يحترمونها ورسم مناطق نفوذها وإزعاج قوة أخرى منافسة وأقوى منها عسكريا . 

إن اللجوء الى استخدام الوسائل والحلفاء غير المباشرين يعطي الحرية أيضا لمن يستخدم استراتيجية الحروب بالوكالة. يتجاوز دور هؤلاء اللاعبين الذين يخوضون الحروب بالوكالة أحيانا القوة العسكرية التقليدية وهو ما طبقه الروس حرفيا في أوكرانيا. إن الاعتماد على الجماعات شبه العسكرية في دونباس هو الذي مكّن سلطات موسكو من تفادي اللجوء إلى نشر قوات عسكرية روسيا على الأرض في أوكرانيا. هكذا استطاعت روسيا من خلال هذه الاستراتيجية الابتعاد عن الجانب العسكري كي تركز على الجانبين السياسي والدبلوماسي. 

من السهل إطلاق الحروب بالوكالة، غير أنه قد يصعب بعد ذلك التحكم فيها أو وقفها. تعتبر سوريا خير مثال على الحروب بالوكالة التي تخرج عن السيطرة. فكل اتفاق لوقف إطلاق النار وكل خطة للسلام يفشلها أحد أطراف الحروب بالوكالة في هذا الصراع عندما يعتبر أن مثل هذا الاتفاق لا يخدم مصالحه على الوجه الأكمل. 

لقد شهدت العراق وسوريا خلال الأعوام القليلة الماضية حربا حقيقية بالوكالة بين قوى إقليمية وأخرى دولية، اصطفت فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة من ناحية، فيما وقفت على الجانب الآخر روسيا وإيران والصين، وهي الدول الثلاث الرئيسية التي ظلت تدعم نظام بشار الأسد وتحول دون سقوطه. 

 أفادت بعض التقارير الصحفية بأن إيران -في ظل تنامي التوتر ضد الولايات المتحدة الأمريكية- قد طلبت من مليشيات موالية لها وتدور في فلكها منذ عدة أعوام الاستعداد لخوض حرب بالوكالة في الشرق الأوسط. نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالا مطولا في هذا الصدد تحت عنوان: «إيران تطلب من مليشيات الاستعداد لخوض حرب بالوكالة في الشرق الأوسط».

من جهة أخرى أفادت عدة تقارير بأن قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الذي أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية تنظيما إرهابيا، قد اجتمع بقادة المليشيات الموالية لنظام الملالي في طهران عندما زار العراق قبل ثلاثة أسابيع من الآن ويقال إنه قد أصدر أوامره بالاستعداد لخوض الحرب بالوكالة لمواجهة التهديدات الأمريكية المتصاعدة والتي قد تفضي إلى حرب شاملة. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news