العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

الصين لن تسيطر أبدا على آسيا

بقلم: جيرار رينو 

الأربعاء ٠٥ يونيو ٢٠١٩ - 11:04

 

هل تسيطر الصين المتنامية القوة الاقتصادية على القارة الآسيوية خلال القرن الحادي والعشرين؟ 

هل تنجح الصين في جوارها فيما فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في القيام به خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، مدفوعة بنظرية مونرو، في الأمريكيتين؟

إن الأسباب الاديولوجية والجيو-سياسية والاقتصادية هي التي ستمنع الصين من الهيمنة على جيرانها الآسيويين. 

من الناحية الايديولوجية، نجد أن النموذج الصيني الذي بناه الرئيس الصيني شي جين بينغ يقوم أساسا على ركيزتين رئيسيتين: سطوة الحزب الشيوعي، كحزب وحيد، على الدولة والمجتمع في البلاد، أي من حيث تنظيم المجتمع والحياة الاقتصادية في الصين.

 أما الركيزة الجوهرية الثانية فهي تتمثل في عودة مسألة عبادة الشخصية أو تقديس الذات، وهي السمة الموروثة عن فترة ماوتسي تونغ. أصبح نفس الاهتمام يوجه اليوم إلى الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ، وهو أيضا رئيس الحزب والقائد الأعلى للقوات المسلحة.

هل يمكن لهذا النموذج الصيني أن يغري الآسيويين الآخرين؟

يعتبر الحزب الشيوعي الصيني منظمة مهيكلة هرميا وهو يضم أكثر من 90 عضوا فاعلا. يمكن أن يكون هذا الحزب قد أدرك مرحلة النضج ذلك أنه قاد أربعين سنة من النمو الاقتصادي المتواصل بعد أن نجح في سنة 1976 في التخلص من جناحه اليساري بقيادة عصابة الأربعة. 

في الحقيقة فإن هذا النموذج الصيني أصبح له من يتبناه على نطاق واسع في افريقيا أكثر منه في القارة الآسيوية. لا يكرس النموذج الصيني الحرية السياسية بل إنه يكرس حرية واسعة للمبادرة في إطار تنافسي يؤطره الحزب الشيوعي الصيني ويتحكم فيه. لقد اكتوى الآسيويون بالنموذج الذي أنشأه الزعيم الشيوعي ما وتسي تونغ.

إن النظام الذي يحكم الصين شمولي لا يسمح بإزاحة الزعيم حتى وإن ارتكب هذا الأخير أخطاء استراتيجية فادحة. في البداية عرف الزعيم التاريخي للصين ما وتسي تونغ كيف يعتمد على طبقة الفلاحين ويوظفها لخدمة أهدافه وطموحاته، كما أنه استطاع أن يحمي ويرسخ ويعزز نواة الحزب الشيوعي الصيني من خلال المسيرة الكبرى التي قادها سنة 1935 وترك خصومه يستنزفون قواهم في الحرب التي خاضوها ضد الجيش الياباني القوي. 

استطاع أنصار ماوتسي تونغ أن يحصلوا على الأسلحة التي خلفها الجيش الياباني واستغلوا بداية من سنة 1949 المساعدات السوفيتية من دون أن يعبروا عن ولائهم التام للزعيم السوفيتي آنذاك جوزيف ستالين.

ارتكب ماوتسي تونغ بعد ذلك خطأ استراتيجيا فادحا عاد بعواقب وخيمة على الشعب الصيني الفقير وذلك عندما أمر بإنشاء تعاونيات زراعية وهي تمثل شكلا من أشكال التأميم القصري تحت شعار «القفزة الكبرى إلى الأمام» في الفترة ما بين سنتي 1958 و1960 وقد تسبب ذلك في مجاعة كبيرة أودت بحياة ملايين الصينيين. بعد أن بدأ نجمه يأفل بسبب ما ارتكبه في حق الشعب الصيني عمد ماوتسي تونغ إلى تطهير الحزب الشيوعي الصيني من أجل التخلص من أعدائه ومناوئيه المحتملين. وأطلق سنة 1966 الثورة الثقافية، وهي عبارة عن حملة وحشية بقيادة الشبان أو «الحرس الأحمر» وهو ما تسبب في تفكيك البلاد وارتكاب الكثير من الانتهاكات. 

سعيا لتفادي تكرار تلك الأخطاء الفادحة التي ارتكبها ماوتسي قرر الزعماء الذين جاؤوا بعد وفاته سنة 1976 ان يعتمدوا فترتين رئاسيتين فقط مدة كل واحدة منها خمس سنوات، غير أن الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ قد مارس نفوذه وألغى هذا الشرط حتى يتمكن من الاستمرار في الحكم مدة أطول. 

لم تتربّ النخب السياسية الحاكمة في الدول الآسيوية في مدرسة مونتسكيو التنويرية الفرنسية، الذي اشتهر بروح القوانين، غير أن ذلك لم يمنعها من الإقرار بأن نظام حكم في أي بلاد آسيوية لا بد أن يكون له الحد الأدنى من القوة المضادة له وذلك تفاديا لارتكاب أي أخطاء.. ذلك ما لم يتوافر حتى الآن في الصين. فالحكم الشيوعي الصيني الذي أسسه ماوتسي تونغ يحكم قبضته على الدولة والمجتمع من دون ان يترك أي مساحة لأي صوت آخر مضاد. 

من الناحية السياسية أصبحت الصين بقيادة الرئيس الحالي شي جين بينغ تثير مخاوف جيرانها الذين يرون فيها خطرا يتهددهم. لم تقبل هذه الدول المجاورة باستيلاء الصين بالقوة العسكرية على الجزر الصغيرة الموجودة في بحر الصين الذي يعتبر في مثل حجم البحر الأبيض المتوسط. يوم 19 مايو 2019 أعلنت نتائج الانتخابات المهمة التي أجريت في كل من الهند وأستراليا. ففي الهند انتصر الزعيم القومي الهندوسي ورئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي فيما انتصر المحافظون بقيادة سكوت مور يسون في استراليا.

لقد انتخب الرجلان ليتوليا منصب رئيس الوزراء في كل من الهند وأستراليا وقد اعتمدا في حملتهما برنامجا انتخابيا يقوم على أجندة تكرس سياسة الصرامة التامة مع الصين. قطع البلدان أيضا أشواطا كبيرة في تحديث أساطيلهما البحرية وقوتهما الجوية. يوم 22 مايو 2019 اختتمت المناورات المشتركة ما بين الهند وسنغافورة التي تتحكم في ممر مالقا الاستراتيجي المهم الذي يمر عبره ثلث التجارة العالمية وقرابة 90% من التجارة الصينية. 

رغم أن سنغافورة مأهولة أساسا بالصينيين فقد اختارت الديمقراطية كنهج سياسي، وهي تدخل ضمن تحالف القوى الديمقراطية الكبرى في آسيا-المحيط الهادي (الهند-اليابان، استراليا والولايات المتحدة الأمريكية). في الأثناء وصلت المدمرة وقاذفة الصواريخ الأمريكية «بريبل» إلى سواحل سكاربورو لأن واشنطن تريد أن يدرك الصينيون أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقبل أبدا بالتوسع الصيني في بحر الصين. 

تسببت سياسات القوة التي بدأ يكرسها الرئيس الصيني شي جين بينغ في تقوية العلاقات الاستراتيجية ما بين الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية وكل القوى الآسيوية الخائفة من حقيقة النوايا والطموحات الصينية. أما على الصعيد الاقتصادي فإننا نتجه بشكل أو بآخر الى تقسيم العالم تكنولوجيا على حساب الصين ودورها المتنامي في العالم. 

لقد لفت الانتباه القرار الذي اتخذته شركة غوغل العملاقة بوقف التعامل مع شركة هواوي الصينية العملاقة للاتصالات يوم 20 مايو 2019 تبعا للقرار الذي اتخذته بهذا الشأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أن يتراجع ويقرر تعليق العمل به لفترة معينة. في الأثناء تتأهب شركة سامسونغ الكورية الجنوبية العملاقة لرفع التحدي في آسيا والغرب. هناك مبدأ مهم لم يفهمه الرئيس الصيني: ما من قوة تحقق الاستدامة في العالم بدون القوة الناعمة. 

لوفيجارو

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news