العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

عمق التعبير وجمال التصوير 30 (صحف إبراهيم وموسى)

بقلم: عاطف الصبيحي 

الثلاثاء ٠٤ يونيو ٢٠١٩ - 12:49

 

قصة سيدنا موسى من أكثر القصص ورودًا في القرآن، وردت في مواضع شتى بلغت ما يقرُب من ثلاثين موضعًا، موزعة على كثير من سور القرآن، وردت مختصرة غاية الاختصار، وجاءت مُطولة في بعض المواضع، وأحيانًا هي عوان بين الطول والقِصر، فبالله المُستعان نُلقي نظرة على قصة نبي الله موسى قرآنيًا.

 أشار القرآن إشارة قصيرة عابرة إلى قصة سيدنا موسى في سورة الأعلى (إن هذا لفي الصُحف الأُولى صُحف إبراهيم وموسى) وهي السورة الثامنة، ويقاربها في ذلك الآية 36 من سورة النجم (أم لم يُنبأ بما في صحف موسى) وترتيب هذه السورة نزولاً 23، وأما في سورة الفجر فهناك إشارة إلى فرعون دون ذِكر موسى (... وفرعون ذي الأوتاد...) وتأتي الأعراف في التفصيل الأول لقصة سيدنا موسى عليه السلام، مشاركة مع بعض أنبياء الله، نوح وهود ولوط وشُعيب، بعامل مشترك واحد هو الدعوة الواحدة، والتكذيب، وعاقبة المكذبين نفسها، وشرعت القصة في ذكر الرسالة التي حملها موسى وهارون إلى فرعون، ثم ذِكر معجزة العصا واليد البيضاء، واجتماع السحرة، وتفاصيل أُخرى كغلبة موسى على السحرة وما تبعها من إيمانهم بدعوته، وما جرّ ذلك عليهم من عذاب.

 في طه هناك تفصيل آخر يبدأ من الآية 9 (وهل آتاك حديث موسى) والبداية من رؤية النار، وتُجمل بعدها العديد من الأحداث، والشعراء تستهل القصة من الرسالة بزيادة قتل موسى لرجل مصري، وكذلك زيادة معجزة انفلاق البحر، لكن سورة القصص تتناول القصة من أول حلقاتها منذ مولد موسى عليه السلام، والمناخ السياسي السائد الذي ولِد فيه موسى، فهو عصر يتسم بالاضطهاد، وتتسلسل الأحداث من وضعه في التابوت وإلقائه في اليم وإلقاء المحبة عليه، وتحريم المراضع عليه تهيئة لعودته إلى اُمه، وقد كان.

 ولأننا مُقيدون بمساحة محدودة في الصفحة فلا يستقيم الاسترسال في سرد المواضع الأخرى التي وردت فيها قصة موسى، ولكننا نخلص إلى أمرين يستلزم التنبيه لهما، الأول أن الحلقات الأساسية في القصة لم تكرر، وإن تكررت فإنها لا تخلو من جديد ما ينفي عنها التكرار، فليس في القرآن ذلك التكرار المطلق أبدًا، فالقصة القرآنية بسبب خضوعها للغرض الديني والغاية السامية، فإنها تُعرض بالقدر الذي يكفي لأداء هذا الغرض.

 ومما يؤكد طغيان الهدف الديني على القصة القرآنية، نجد أن بعضها تعرض القصة منذ اللحظة الأولى للحدث، كقصة سيدنا عيسى عليه السلام التي تبدأ من مولده، فمولده هو الحدث الأبرز ومن خلاله يظهر الهدف والغرض الديني الوعظي أما قصة سيدنا يوسف لم تهتم بحدث ولادته وبدأت من فترة متأخرة نسبيًا، من الرؤيا التي رآها بدأت القصة كاملة وفي سورة واحدة، وهذا ما تفردت به سورة يوسف عليه السلام، فالمغزى والأحداث اللاحقة كلها مترتبة على هذه الرؤيا، أما قصة داود عليه السلام فعُرضت باستهلال أكثر تأخرًا عن قصة سيدنا يوسف.

 هناك قصص لا نعرفها إلا في حلقات متأخرة من القصة، مثل قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، فهؤلاء الكرام تبدأ قصصهم من رحلتهم الدعوية من بداية تكليفهم بتبليغ رسالة ربهم، لأنها أهم حلقة في قصصهم، والعبرة والغرض كامن في الرسالة التي جاؤوا بها، وقصة سيدنا إبراهيم جاءت على شكل حلقات، في هذه السورة حلقة وفي تلك حلقة أخرى، محاوراته لقومه تشكل حلقة، تحطيم الأصنام حلقة تالية، ودعوته اللطيفة مع أبيه واعتزاله القوم كوّنت حلقة بذاتها، وبناء الكعبة أُوجزت في حلقة خاصة.

 ما من قصة قرآنية كاملة كقصة يوسف، أو مجزأة لحلقات، إلا ونلمح الهدف السامي منها وكأنه ظِل القصة، وما ذلك إلا خدمة للإنسان لتمكين العبرة والعِظة من نفسه، وصولا بالإنسان إلى الجنة وزحزحته عن النار، مع الأخذ بعين الاعتبار خلو القصص القرآني من التشريعات وإنما جاءت للاتعاظ والادكار وكفى بها نعمةً لمن استطاع أن يلتقط تلك العبر والعِظات، وعلى المؤمنين بالله وكتابه ألا يحرفوا القصص عن هدفها الأساسي ويجعلوا منها ما يشبه الأساطير أو أساطير بعينها، من خلال اعتماد الرؤية التفسيرية لقصة لموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء كما سردها قديمًا أهل الكتاب وتسللت إلى بعض التفاسير، وتراها جلية في البرامج التلفزيونية المُسماة «القصص القرآني»، ألا نقتدي بالطرح القرآني من خلال إعطاء الأولوية القُصوى لفحوى القصة ويغض الطرف عن ما لا يُغني ولا يُسمن من جوع؟! واكتفي بسرد مثال واحد فقط، ما من قارئ للقرآن إلا ويلحظ تجاهل القرآن لاسم تلك الشخصية التي طلب منها موسى أن يتبعه ليتعلم منه، ويركز ربنا تبارك وتعالى على جوهر القصة ومركزية الهدف، ومع ذلك نجد أن هناك كُتب سُوِدت صفحات وصفحات حول هذه الشخصية - من هو؟ من أي بلد؟، أين ذهب، معجزاته... وشاهدت العجب في إحدى المرات على شاشة التلفاز، حيث كل شيء موجود إلا الهدف النبيل من القصة، حتى أنَّ المرء ليعتصره الحُزن من هذا التركيز وما يرافقه من إيمان عميق من ضيف الحلقة، مع أن كتابنا الكريم لم يتعرض لذلك ولا رسولنا عليه السلام، فأنّى لهم ذلك؟، وما الفائدة المرجوة من هذا الحشو؟!، وكذلك من المؤسف المُحزن أن تُصرف جهود كبيرة لتحديد اسم قرية أو مدينة، القرآن ذاته تجاوز اسمها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونسأله تعالى أن يُفقهنا بالقرآن على النحو الذي يُرضيه عنا ويتقبل منا برحمة منه، وكل عام وأنتم وكل من يدبّ على الأرض من الناس بخير وطمأنينة وسلام ومحبة.عيدكم مبارك. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news