العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٧ - الجمعة ٢٣ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

المنهج النبوي في الاقتصاد والتجارة: لماذا لم يحدد رسول الله أسعار السلع؟

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

الثلاثاء ٠٤ يونيو ٢٠١٩ - 12:48

 

عن أنس رضي الله عنه قال:  غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الناس يا رسول الله غلا السعر فسعِّر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني في دم ولا مال. رواه الخمسة إلا النسائي وصححه ابن حبان وقال أبو عيسى الترمذي:  حديث حسن صحيح.

ومرة أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رجلا جاء فقال: يا رسول الله، سعِّر، فقال: بل أدعو ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة. إسناده حسن كما قال الحافظ ابن حجر.

وقد يتساءل المواطن، لماذا لم يحدد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسعار السلع؟ ألم يكن ذلك أجدى؟ وفي نفس الوقت قد يستغل بعض التجار هذه الأحاديث النبوية في صالحهم فيتلاعبون في الأسعار كيفما يشاؤون من غير رقيب أو حسيب أو محاسب، ترى لماذا؟

ويمكن أن نستدل على بعض الاستدلالات التي ذكرها الباحث أحمد حسن في بحثه «التسعير في الفقه الإسلامي» حول هذه الأحاديث النبوية، فمثلا: 

* لم يسعر النبي صلى الله عليه وسلم وقد سألوه ذلك، ولو جاز لأجابهم إليه.

* ولأن النبي صلى لله عليه وسلم علل بكون التسعير مظلمة، والظلم حرام.

* ولأن الناس مسلطون على أملاكهم، والتسعير عليهم إيقاع حجر في أموالهم، وذلك غير جائز فيمن جاز أمره ونفذ تصرفه.

* ولأن إجبار الناس على بيع أموالهم بغير ما تطيب به أنفسهم ظلم، والظلم حرام، فيحرم التسعير.

وإن كنا لا نعرف الوضع الاجتماعي والمناخي والاقتصادي الذي كان فيه أهل المدينة حينئذ، فربما كانت ظروف العرض والطلب تستدعي ذلك، ربما كان الجفاف وقلة المحاصيل تستدعي ذلك، وربما أمور كثيرة كانت تتحكم في السوق وبالتالي لا بد وأن يكون هناك سبب، هذا جانب.

ومن جانب آخر فإن نظر الحاكم من منظار واحد وهو منظار المستهلك فقط فإن ذلك فيه ظلم للبائع أيضًا، فهو يبيع حتى يعيش هو وأبناؤه وعياله، لذلك فإنه من الحكمة النظر في كلا الجانبين، وعمل موازنة بين المستهلك والبائع، فإن كانت زيادة الأسعار طبيعية فإن ذلك أمر طبيعي، إذ إنه لو سعّر رسول الله السلع – حينئذ – فإنه سيصبح ذلك شرعًا ومنهاجًا يصعب تغييره، ولكن إن زادت الأسعار بسبب جشع وطمع التجار فإن في ذلك حديثا آخر. 

وإن كان هناك خلاف فقهي كبير حول هذا الموضوع إلا أن الفقهاء اتفقوا على بعض الأمور التالية، مثل:

1-  إن القول بجواز التسعير عند الحاجة إليه لا يعارض الحديث الوارد في النهي عن التسعير، بل هو عمل بمناطه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن التسعير لا لكونه تسعيرًا وإنما لعدم تحقق علة التسعير، لأن غلاء الأسعار لم يكن بسبب ظلم الباعة، بل كان حالة طبيعية نتيجة ظروف العرض والطلب.

2- يجد بعض الفقهاء أن التسعير يكون في قوت الناس، والبعض الآخر يجد أن التسعير يكون تاما في كل السلع.

3- التسعير قرار اقتصادي ومن ثم فلا ينفرد الإمام أو نائبه برسم الأسعار، بل يكون التسعير بمشورة أهل الرأي من ذوي الاختصاص بمعرفة الأسعار، وذلك جمعًا بين مصالح الباعة والمشترين، وتحاشيًا من حدوث ما يسمى بالسوق السوداء.

إلا أنه يجب أن نفهم عندما نقول إن المجتمع الإسلامي مجتمع يقوم على القيم والمبادئ وخاصة مبادئ الأخوة الإسلامية إذ إن الأخوة والترابط يجمع فئات المجتمع وهو الأصل، فإن كانت زيادة الأسعار تفرق الجماعات وتفكك روابط الأخوة فإن قيم المجتمع ومبادئها أولى في التطبيق من حفنة من الدنانير يمكن أن تدخل جيب بعض التجار.

ومن جانب آخر فإن الشارع المسلم، قد فرض الزكاة والتكافل الاجتماعي بكل صوره، وحرم الاحتكار والغش، وكلا من تلك الأمور التي يمكن أن يجري في الأسواق من غير رقيب وقد جعل الله سبحانه وتعالى نفسه هو الرقيب الذي يطلع على أفئدة الناس وعقولهم، وهذا هو الإحسان، لذلك فأيما تاجر ينوي زيادة الأسعار ليستغل فيه حاجة الناس فإن هذا الفعل يعتبر مخالفا لكثير من القواعد الإسلامية، لذلك فإنه يقامر بالخروج من التشريع الإسلامي والحيد عنه، من أجل بضعة دنانير تدخل جيبه، وهذا يعني يبيع دينه وآخرته بالدنيا، وهذا هو الفكر الإسلامي الذي يخالف فيه الفكر الرأسمالي والشيوعي والمذاهب الفكرية الأخرى، فالله هو المراقب وهو المحاسب. 

وإن كان الأصل في تصرفات الإنسان في الإسلام هي الحرية، فلا يبرم عقد البيع إلا بتوافر الرضا من المتعاقدين؛ وقد ترتفع الأسعار بفعل قانون العرض والطلب فعندما تقلّ السلعة ويكثر الطلب عليها فإن سعرها يرتفع تلقائيًا ولا يتدخل الحاكم هنا، ولكن – وبحسب هذا المفهوم والعودة إلى الأصل الأول وهو المحافظة على قيم المجتمع – فإنه عندما تتغير الأوضاع والأنظمة وتعود أسعار شراء السلع من المنتج الأصلي إلى أصولها الأولى فإنه من اللائق ومن الأجدى أن تعود أسعار السلع الموجودة في الأسواق والتي تباع إلى المستهلك إلى ما كانت عليه قبل أن يحدث هذا التغير، وذلك حفاظًا على الأصل وهي قيم ومبادئ المجتمع.

إلا أنه – وحتى في المجتمعات الإسلامية إذ إن الناس لا يعيشون في الجنة– يمكن أن تتغير النفوس ويزيد الطمع والجشع عند بعض التجار، فقد يتعسف بعض الباعة في استعمال حقهم، فيتواطؤون فيما بينهم على رفع الأسعار، فيكون سعر السلعة في السوق مفتعلا لا طبيعيًا، فعندها يمكن للحاكم أن يتدخل، فيحدث التوازن في الأسعار وذلك بخفض السعر المفتعل إلى السعر الطبيعي أو ما يسمى بثمن المثل. 

zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news