العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

دعائم النجاح (30): «اتق الله حيثما كنت»

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الثلاثاء ٠٤ يونيو ٢٠١٩ - 12:46

يتفنن الخبراء في صناعة أجهزة المراقبة الصناعية لضبط سلوك الناس، ويتفنن الناس في كيفية التغلب على هذه الرقابة الصناعية، وقد حل الإسلام هذه القضية وزرع الرقابة في جسم الإنسان فهي تعمل في كل مكان وزمان وموقف، وجعل في الجسم أجهزة تسجيل دائمة هي الجلد والأيادي والأرجل والفروج والعيون والقلوب، وهي أجهزة تحتفظ بالشهادة ليوم الحساب الأكبر يوم القيامة، فتحول الإنسان من فاعل ورقيب في عملية رقابة ذاتية فريدة، وقد علَّم المصطفى صلى الله عليه وسلم المسلمين على التربية المفعلة لجهاز المراقبة الذاتية، فعن أبي ذر بن جندب بن جنادة وأبي معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي وقال: حديث صحيح وفي بعض النسخ حسن صحيح.

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرح الأربعين النووية الحديث الثامن عشر (ص219)، قال: قوله صلى الله عليه ووسلم: «اتق الله» أي اتخذ وقاية من عذاب الله عز وجل وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه، «حيثما كنت»: حيث ظرف مكان: أي في أي مكان كنت سواء في العلانية أو في السر، سواء في البيت أو في السوق، وسواء عندك أناس أو ليس عندك أناس. وقال رحمه الله: من فوائد الحديث: وجوب تقوى الله عز وجل حيثما كان الإنسان لقوله صلى الله عليه وسلم «اتق الله حيثما كنت»، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه سواء كنت في العلانية أو السر (انتهى).

هذا دستور المراقبة الشخصية الذاتية التي تجعل من الإنسان على نفسه بصيرة فيعمل وهو مستيقن أن الله تعالى يراه، وأن كل عمل يعمله حسنًا أو سيئًا يسجل عليه، وبذلك يتكون بداخله جهاز الرقابة الذاتية ويفعل في كل زمان ومكان، في بلده وبين من يعرفونه أو خارج بلده في بلد لا يعرفه فيه أحد، سواء في وجود الشرطي أو في عدم وجوده، أو في وجود آلات التصوير أو في غيابها، في الفلاة والصحراء أو في البساتين والمروج مع زوجه في غرفة النوم أو في مجلس الأسرة بين الأهل والأحباب، مع الموظفين في العمل ورقابة الرئيس أو في غيابهم.

إن فعلنا ذلك نجحنا في أعمالنا وأتقناها وبذلنا أقصى ما نستطيع في تنفيذها، فإن كنت معلمًا فأنت صاحب رسالة سامية تربي الأجيال وتنمي عندهم الرقابة الذاتية، بحيث لا يقبلون الغش في الاختبارات أو إحضار أنشطة من عمل الوالدين أو من تجار تنفيذ الأنشطة والمقالات العلمية ويكتب عليها إعداد الطالب.... إشراف الأستاذ.... على المعلم ألا يقبل إلا الأنشطة التي قام المتعلم بإعدادها بنفسه تحت إشراف المعلم والوالدين، وأن يناقشه في محتوى النشاط، وأن يعدل المعلم بين المتعلمين ويعطي كل ذي حق حقه، وأن يكون شعار المتعلمين «اتق الله حيثما كنت»، يا لها من تربية متميزة تعمل على بناء الأجيال وتعلمهم الصدق والأمانة والرجولة وكلها قيم أهم من الدرجات والمعلومات النظرية التي لا تحدث عملية تعلم ناجحة وتعدل في سلوك المتعلم ليصبح إيجابيًا يخشى الله تعالى أينما كان.

والطبيب إذا راقب الله تعالى في عمله وحرص على تعقيم الأجهزة والأدوات تخلص من الكائنات الحية الممرضة التي لا يراها المريض بعينه، ويجب عليه ألا يستغل المريض، وأن يكون شفيقًا رحيمًا على الفقراء والمساكين وغير القادرين.

والصانع يخاف الله تعالى ويراقبه في صنعته لتصبح أنموذجًا لحسن الخلق وإتقان العمل والخوف من الله.

والزارع يراقب الله ولا يستخدم المبيدات المحرمة والممنوعة لرخص ثمنها ويجب عليه ألا يجني المحصول قبل انتهاء مدة الأمان التي وضعها الباحثون والمختصون.

والزوج يتقي الله في زوجه ولا ينقصها حقها وحق أبنائها، وأن تكون الزوجة راعية في مال زوجها وبيته وأبنائه.

والتاجر المسلم يتقي الله ولا يحتكر البضاعة أو يغش في بطاقة المواصفات وبلد المنشأ وصلاحيتها للعمل في كفاءة وأمان، وأن يلتزم بالصيانة ومدة الضمان.

والحاكم يخاف الله تعالى في رعيته، ويحكم بين المواطنين بالعدل، ويحافظ على ثروة البلاد، وصحة العباد ويعمل على نشر الأمن والأمان في البلاد.

والمحكوم يلتزم بواجباته الوطنية ليصبح مواطنًا صالحًا يسمع ويطيع في المعروف ويطبق القوانين المنظمة للحياة في وجود الرقابة أو في غيابها.

والإعلامي المسلم يعلم أن الكلمة المكتوبة والمسموعة أمانة، ورسالة الإعلام رسالة سامية بعيدة عن الفتن والمغالطات.

والاقتصادي المسلم يراقب الله تعالى في معاملاته ويكون درعًا اقتصاديًا للوطن وللمواطنين، وهكذا يفعَّل جهاز الرقابة الذاتية والخوف من الله ويصبح كل فرد رقيبًا على نفسه تبعًا للقاعدة النبوية «اتق الله حيثما كنت».

           هذا وبالله التوفيق، وكل عام وأنتم بخير 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news