العدد : ١٥١٥٦ - السبت ٢١ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٦ - السبت ٢١ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤١هـ

سينما

«لـيــل خـارجــي»:فيلمًا تجاريًّا يحاول التعبير عن معاناة صناعة السينما

الاثنين ٠٣ يونيو ٢٠١٩ - 10:58

«ليل خارجي» عنوان الفيلم والأسم الذي  يحيلنا على الفور إلى عالم صناعة السينما، فهذا التعبير يستخدم بشكل قصري في النصوص السينمائية لوصف مكان وزمن المشهد. ﻻ يتأخر الفيلم في الإعلان عن ذلك من مشاهده الأولى التي نرى فيها مخرجًا شابًا يحاول التغلب على معوقات عبثية لصناعة فيلمه، لكن في المشاهد التالية يتحول مجرى الأحداث لنعرف أن المخرج ليس سوى بطل القصة التي يرويها الفيلم بعيدًا عن صناعة السينما. وهنا يثور السؤال: لماذا اختار صناع «ليل خارجي» أن يكون بطلهم مخرجًا سينمائيًّا؟

تدور أحداث الفيلم بالكامل على مدى يوم واحد في حياة بطله (مو/كريم قاسم)، يمر خلاله بالعديد من المواقف بصحبة السائق (مصطفى/شريف دسوقي)، وفتاة ليل (توتو/منى هلا). تيمة اليوم الواحد هي إحدى التيمات المكررة في السينما، والتي يعيد تقديمها هنا المخرج أحمد عبد الله، مع الكثير من الكوميديا، والقليل من الدراما.

كل هذا جميل، لكنه ﻻ يجيب على سؤال: لماذا اختار صناع الفيلم أن يكون بطلهم مخرجًا سينمائيًّا؟

يتناول موضوع الفيلم العلاقة بين النخبة الثقافية (ممثلة في المخرج الشاب)، وبين المواطن العادي (ممثل في السائق)، بأقل القليل من التفاصيل عن السياق الزمني والسياسي الذي تدور فيه الأحداث، والتي تقتصر على الإشارة المقتضبة في بداية الفيلم لقضية رواية «استخدام الحياة» للكاتب أحمد ناجي. في الفصل الأول من الفيلم، حيث التأسيس للشخصيات، نرى البطل يساعد إحدى صديقاته في تسجيل كلمة مصورة للمطالبة بالإفراج عن كاتب الرواية، والتي تحاول إقناع المخرج بتوظيف الرواية في فيلمه بأي شكل، وفي مشهد ﻻحق تدور مناقشة بين هذه الصديقة والسائق مصطفى بشأن الرواية، نستعرض من خلالها التباين في رؤيتين نمطيتين للنخبة والمواطن العادي. يُصنف أحمد عبد الله كأحد صناع السينما المستقلة، ذلك المصطلح شديد الالتباس، والذي يتم تعريفه في صيغة مبسطة بأنه كل عمل سينمائي تم إنتاجه بمنأى عن دوائر الصناعة التقليدية السائدة، سواء على مستوى الإنتاج والموارد، أو على مستوى الموضوع، إذ ترتبط الأفلام المستقلة بشكل من أشكال التمرد على القوالب التقليدية، والأفكار السائدة. قبل ذلك عرف المصطلح باسم «أفلام المهرجانات» في إشارة إلى الأفلام التي تقتصر عروضها على المهرجانات وﻻ تحقق نجاحًا ﻻفتًا عند عرضها جماهيريًّا، ومؤخرًا تغير الاسم ليصبح أفلام «الآرت هاوس»، وهو اسم لدور العرض المتخصصة التي تتحمل تقديم أفلام تغلب على صناعتها المعايير الفنية على التجارية. وهنا نسأل: هل حقا ينتمي فيلم «ليل خارجي» إلى السينما المستقلة؟

كما أشار المخرج فقد تم إنتاج الفيلم بالجهود الذاتية، وإن أغفل في حواره أن الفيلم قد تلقى دعمًا من مهرجان دبي السينمائي لمرحلة ما بعد الإنتاج، ولكن مع الوضع في الاعتبار أن فيلم «ليل خارجي» يتطلب ميزانية متواضعة أو متوسطة على أقصى تقدير، ما مدى ارتباط الموارد الإنتاجية بجودة المنتج الفني؟

لنأخذ عنصر التمثيل مثالًا. يتطلب عنصر التمثيل شقين مهمين، أولهما هو اختيار الممثلين، وثانيهما هو توجيههم. بالطبع ترتبط الموارد الإنتاجية بالقدرة على استقطاب المواهب الحقيقية والنجوم الكبار، غير أننا لن نعدم الأمثلة التي اعتمد فيها المخرجون على ممثلين غير محترفين وخرج أداؤهم في شكله النهائي على درجة مقبولة من الجودة الفنية. في «ليل خارجي» صاحب التوفيق أحمد عبد الله في تسكين بعض الأدوار، وتخلى عنه في غيرها، فأبطال العمل الرئيسيون هم كريم قاسم الذي يمتلك موهبة متواضعة وإن كان في أفضل أحواله هنا، ومنى هلا التي سبق أن قدمت أدوارًا جيدة لكن جاء أداؤها باهتًا في أغلب مشاهد الفيلم، أما المفاجأة الحقيقية فتمثلت في شريف دسوقي الذي كان حضوره وتأثيره واضحًا على الجمهور بمجرد ظهوره على الشاشة. وفي الأدوار الثانوية جاء اختيار بسمة في دور رحاب، وعمرو عابد في دور بذرة، اختيارًا سيئًا على أكثر من مستوى. قدمت بسمة أداءً باردًا ومفتقرًا لأدني درجات الإقناع لشخصية شديدة البعد عن الواقع، مليئة بالتناقضات غير المفهومة. أما عمرو عابد، ففضلًا عن أنه ممثل متواضع ولم يقدم طوال سنوات عمله الطويلة نسبيًّا أداءً ﻻفتًا مع اختلاف المخرجين والأعمال، كان اختياره كارثة محققة، فهو ﻻ يفي بأي من الشروط الشكلية والجسمانية للشخصية التي يؤديها، فكيف يمكن أن تقنع المشاهد أن هذا الممثل ضئيل الجسد ناعم الصوت يصلح لأداء دور بلطجي في حارة شعبية؟

نعود إلى سؤالنا: هل هناك أي رابط بين ضعف الموارد، وبين الاختيار السيئ والتوجيه الضعيف للممثلين؟ بالقطع لا. لنأخذ مثالًا آخر وليكن المونتاج. بالطبع تؤثر الموارد الإنتاجية على القدرات التقنية المتوفرة للمونتير، ولكن إذا كان الفيلم لا يتطلب مثل تلك القدرات الخاصة، وإذا كان جوهر عنصر المونتاج يكمن بالأساس في الجوانب التعبيرية للسرد، وإذا كان الفيلم يلتزم بقالب سردي تقليدي ﻻ يخرج عن قواعد النوع أو التيمة التي يقدمها، فأين يكون موقع الفيلم من السينما المستقلة أو المعايير الفنية لأفلام «الآرت هاوس»، خاصة مع ميل عدد من النقاد إلى اعتبار أعمال أحمد عبد الله أفلامًا تجريبية على أحد المستويات؟

اقرأ أيضًا: كيف حقق «يوم الدين» أعلى إيرادات في تاريخ «الآرت هاوس»؟

يفتقر المونتاج في «ليل خارجي» إلى الإحساس بالمكان في الكثير من مشاهد الفيلم، فلا يؤسس بشكل بصري مناسب للتباين الواضح بين عوالم الشخصيات (المعادي، الحدائق، البساتين)، ناهينا عن الأخطاء الكارثية في بعض المشاهد والتي لم يعد من الصعب على المشاهد العادي التقاطها. في أحد مشاهد الفصل الأول نرى مساعد الفنان أحمد مجدي يقوم بإزالة بدلة سوبر مان، في أحد اللقطات يقوم بخلع أحد أكتاف البدلة ووضعه في الدولاب، وفي اللقطة التالية نرى الكتف نفسه مكانه، ثم يقوم المساعد بخلعه مرة أخرى ووضعه في المكان ذاته. أخطاء كهذه لا تحتاج إلى موارد إنتاجية عظيمة، تحتاج فقط إلى مونتير ماهر، ومخرج يقظ.

كما أسلفنا، يستعرض الفيلم العلاقة الملتبسة بين النخبة الثقافية الجديدة وبين المواطن العادي في سياق ما بعد يناير 2011، ويصل الفيلم إلى ذروته بدخول الدولة طرفًا في المعادلة.

على مدى الفيلم يغيب المخرج في نوبات موازية للأحداث يتخيل فيها شكل فيلمه، وينتصر في خياله على معوقات صنعه. هذا المخرج لم يكن سوى أحمد عبد الله نفسه، الذي يحاول التعبير عن معاناة صناعة السينما، لكنه يختار أن يتجاهل المعوقات الحقيقية، ويرضخ إلى قوانين الصناعة ودوائرها،  ويصنع فيلمًا تجاريًّا بامتياز.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news