العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

آداب القرآن في سورة الحجرات (7)

د. علي أبو هاشم 

الاثنين ٠٣ يونيو ٢٠١٩ - 10:55

 

الإيمان قولٌ وعمل، عقيدةٌ وسلوك، تصديقٌ وبرهان، خضوعٌ ورضا، فليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، كما بيَّنه الرسول «صلى الله عليه وسلم» في الحديث الذي رواه السيوطي في الجامع الصغير عن أنس «رضي الله عنه» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكنه ما وقر في القلب وصدقه العمل». ويقول تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم) الحجرات 14، هذا هو الأدب الثامن من آداب سورة الحجرات. وفي الآية توجيه وإرشاد إلى جميع الأمة بوجوب التأدب مع الله ورسوله، وعدم الاغترار بالقول والعمل، فحقيقة الإيمان لا يعلمها إلا الله وحده. لأن الإيمان من عمل القلوب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله علام الغيوب، وورد في سبب نزول الآيات ما رواه ابن جرير والواحدي في أسباب النزول: أنها نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «أتيناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة»، وجعلوا يمنّون عليه فأنزل اللّه تعالى فيهم هذه الآية. وقال ابن عباس نزلت في أعراب أرادوا أن يتسمّوا باسم الهجرة قبل أن يهاجروا، فأعلم اللّه أن لهم أسماء الأعراب لا أسماء المهاجرين. إن التوفيق والهداية للإيمان نعمة عظيمة من الله على عباده، وتستحق عظيم الشكر، يدل عليه قول الله تعالى عن أهل الجنة: (وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). الأعراف 43، ومراتب الدين الإسلامي ثلاثة هي: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وكل مرتبة من هذه المراتب الثلاث إذا أطلقت وحدها شملت المراتب الأخرى، وأمّا إذا أطلقت وقرنت بغيرها فإنهّا تنصرف إلى معناها الخاص. فعند الإطلاق يكون معنى الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك. وعند الاقتران يفسر الإسلام بأركانه الخمسة المعروفة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. ويكون معنى الإيمان هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره. ويكون معنى الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وقد دل على ذلك حديث جبريل المشهور. والمعنى (ولكن قولوا أسلمنا) أي استسلمنا خوف القتل والسبي، وهذه صفة المنافقين، لأنهم أسلموا في ظاهر إيمانهم ولم تُؤمن قلوبهم، وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب. وأما الإسلام فقبول ما أتى به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الظاهر، وذلك بحقن الدّم. (وَإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) يعنى إن تخلصوا الإيمان. (لا يَلِتْكُمْ) أي لا ينقصكم. مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا، قال ابن كثير: وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن، ويدل عليه حديث جبريل عليه السلام، حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه. قال أهل العلم: الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا «أي دل كل واحد منهما على معنى غير الآخر» كما في الآية: (قالت الأعراب آمنا)، وإن افترقا اجتمعا «يعني دل كل منهما على الآخر» كما في قوله تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون). سورة البقرة 132، فإذا أفردنا الإسلام بالذكر فقلنا عن شخص هذا مسلم دل على أنه مؤمن أيضا، قال الرازي: قيل الإيمان من عمل القلب لا غير، والإسلام قد يكون عمل اللسان، وإذا كان ذلك عمل القلب، ولم يدخل الإيمان في قلوبكم لم تؤمنوا. الثاني: لما قالوا: آمنا وقيل لهم: لم تؤمنوا، قالوا جدلا: قد آمنا عن صدق نية مؤكدين لما أخبروا فقال: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ). لأن لما يفعل، يقال في مقابلة قد فعل، والإيمان كما اتفق العلماء في تعريفه: قول وعمل، اعتقاد وسلوك، وهو تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان، ومن خلال التعريفات الاصطلاحية للإيمان يتبين دخول معنى الإسلام فيه، لكن الإيمان أخص منه، ولا يكفي المسلم أن ينتمي بالقول إلى الإسلام ثم لا يقوم بمقتضى الإيمان من العمل الصالح، وهذا ما عابه الله تعالى على أولئك الأعراب، ولذا فإن الله تعالى يجمع في القرآن غالبا بين الإيمان والعمل والصالح، وبين الإيمان والتقوى، والتقوى هي ثمرة الإيمان ومحصلته. يقول تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض). الأعراف 96، وقوله تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا). إرشاد إلى دواء مرض الحال في قلوبهم من ضعف الإيمان بأنه إن يطيعوا الله ورسوله حصل إيمانهم فإن مما أمر الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بيان عقائد الإيمان بأن يقبلوا على التعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة إقامتهم بالمدينة عوضا عن الاشتغال بالمن والتعريض بطلب الصدقات. نسأل الله أن يشرح صدورنا بالإيمان، وأن يوفقنا لفهم القرآن، وأن يجعلنا من المخلصين. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news