العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الصيام امتحان لإرادة المسلم

د. محمود ندا أبو شنب

الاثنين ٠٣ يونيو ٢٠١٩ - 10:53

 

في كل فريضة من فرائض الإسلام امتحان لإيمان المسلم، ولعقله، وإراداته، ودع عنك الأركان الخمسة، فالامتحان فيها واضح المعنى بيِّن الأثر، وجاوزها إلى أمهات الفضائل التي هي واجبات تكميلية، لا يكمل إيمان المؤمن إلا بها، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ والصدق في القول والعمل، والصبر في مواطنه، والشجاعة في ميدانها، والبذل في سبله فكل واحدة أو في كل واحدة منها امتحان تكميلي للإيمان، تعلو فيه قيم، وتهبط قيم، وفي التوحيد امتحان لليقين، واليقين أساس السعادة، وفي الصلاة امتحان للإرادة، والإرادة أصل النجاح، وفي الحج امتحان للهمم بالسير في الأرض، وهو منبع العلم، وفي الصوم امتحان للصبر، والصبر رائد النصر، ونحن نريد من الامتحان هنا معناه العصري الشائع. 

غير أن الصوم أعسرها امتحانا، لأنه مقاومة عنيفة لسلطان الشهوات الجسمية، ومقاوم الشهوات في نفسه أو في غيره قلما ينتصر، فإن انتصر فقلما يقف به الانتصار عند حد الاعتدال، بل كثيرا ما يجاوزه إلى أنواع من الشذوذ والتنطع، تأباها الفطرة والعقل، وهذه الروح المقاومة في الصوم هي التي راعتها الأديان والنحل، فجعلت الصوم إحدى عبادتها، تروِّض عليه النفوس المطمئنة، وتروِّض به النفوس الجامحة، ولكن الصوم في الإسلام يزيد عليها جميعا في صوره ومدته، وفي تأثيره وشدته، فمدته شهر قمري متتابع الأيام، وصورته الكاملة فطم عن شهوات البطن والفرج واللسان والأذن، وكل ما نقص من أجزاء ذلك الفطام فهو نقص في حقيقة الصوم، كما جاءت بذلك الآثار الصحيحة عن صاحب الشريعة، وكما تقتضيه الحكمة الجامعة من معنى الصوم، فلا يتوهمنَّ المسلم أن الصوم هو ما عليه العامة اليوم من إمساك تقليدي عن بعض الشهوات في النهار، يعقبه انهماك في جميع الشهوات بالليل، فإن الذي تشاهده من آثار هذا الصوم العرفي إجاعة البطن، وإظماء الكبد، وفتور الأعضاء، وانقباض الأسارير، وبذاءة اللسان، وسرعة الانفعال، واتخاذ الصوم شفيعا فيما لا يحب الله من الجهر باالسوء من القول، وعذرا فيما تبدر به البوادر من اللجاج والخصام والإيمان الفاجرة!! كلا، إن الصوم لا يكمل، ولا تتم حقيقته، ولا تظهر حكمته ولا آثاره إلا بالفطام عن جميع الشهوات الموزعة على الجوارح، وللأذن شهوات موزعة على الجوارح، وللأذن شهوات في الاستماع، وللعين شهوات في امتداد النظر وتسريحه على الجوارح كلها، وإن له لضرورة بتك الشهوات لا يستطيع حبسه عنها إلا الموفقون من أصحاب العزائم القوية. 

لذلك كان نبينا إمام الأنبياء، وسيد الحكماء، أجود ما يكون في رمضان. 

ورمضان نفحه إلهية تهب على العالم الأرضي في كل عام قمري مرة، وصفحة ساوية تتجلى على أهل هذه الأرض، فتجلو لهم من صفات الله عطفه وبره، ومن لطائف الإسلام حكمته وسره، فلينظر المسلمون أين مكانهم في تلك الصفحة. 

ورمضان «مستشفى» زماني يجد فيه كل مريض دواء دائه، يستشفي فيه مرضى البخل بالإحسان، ومرضى البطنة والنعيم بالجوع والعطش، ومرضى الجوع والخصاصة بالشبع والكفاية.

ورمضان جبار الشهور، في الدهور، مرهوب الصولة والدولة، لا يقبل التساهل ولا التجاهل، ومن غرائب شؤونه أن معظم صائميه من الأغفال، وأن معظم جنده من الأطفال، يستعجلون صومه وهم صغار، ويستقصرون أيامه وهي طوال، فإذا انتهك حرمته منتهك بثوا حوله الأرصاد، وكانوا له بالمرصاد، ورشقوه ونضحوه، و«بهدلوه» وفضحوه، لا ينجو منهم مختف ولا مختبئ في حان، ولا ماكر يغش، ولا يأوي إلى عش، ولا متستر بحش، ولا من يغير الشكل، لأجل الأكل، ولا من يتنكر بحجاب الوجه، ولا بسفور الرأس، ولا برطانة اللسان، كأنما لكل شيء في خياشيمهم رائحة، حتى الهيئات والكلمات، وهم قوم جريحهم جبار الجرح، وقتيلهم هدر الدم. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news