العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الاسلامي

المنهج النبويُّ في الاقتصاد والتجارة: من منهجية رسول الله في حل أزمة البطالة إيجادُ عمل بدلا من الاتكال على الآخرين

بقلم: الدكتور زكريا خنجي

الاثنين ٠٣ يونيو ٢٠١٩ - 10:53

 

لم يكتف الإسلام ولا رسول الله «صلى الله عليه وسلم» بمجرد الحث على العمل، من قبيل التنظير والنظريات، ولكنه بالفعل أوجد حلولا واضحة ومحددة حتى لا يتكاسل أحد عن البحث ولا يتقاعس أحد عن العمل.

فعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ: «أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، «الحلس بساط والقعب إناء»، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أو ثَلاثًا قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إلى أَهْلِكَ وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ»، رواه الترمذي.

يمكن أن يلاحظ من سياق الحديث النبوي الشريف أن هذا الصحابي العاطل عن العمل عندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء ومعه الكثير من الآمال والرغبات في أنه سيعود ومعه مبلغ من المال أو وجبة صغيرة لسد جوع عياله، ولكن هذه النظرة تعد ضيقة بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي حل وقتي ترقيعي وليس دائما، إذ إنه بعد يوم أو يومين سيعاود الصحابي العاطل السؤال مرة أخرى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو نظرة مستدامة واسعة لحل الأزمات في جميع الأزمنة، ومن أهمها أزمة البطالة سبق بها كل النظريات والحقائق والأفكار، لذلك يمكن الملاحظة مرة أخرى كيف استطاع أو بالأحرى كيف تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكل اقتدار أن يحل أزمة البطالة لدى هذا الصحابي وبطريقة ذكية من غير أن يمتهن كرامته أو يجرح كبرياءه، فقد قام بالخطوات التالية: 

1- لم يطلب منه أن يقوم بمعجزة، ولم يعطه مالاً أو مساعدة يمكن أن تمهد له الطريق نحو التسول والبطالة الدائمة، وإنما طلب منه أن يسهم بأي شيء في تمويل المشروع الذي ينوي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخله فيه، فأسهم بما هو موجود لديه في المنزل، وهو غطاء وإناء، وهذا كل ما لديه. 

2- ولم يكن ما قدمه كافيًا للمشروع، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدراته القيادية طلب من جماعة المسلمين الإسهام من دون إحراج أحد، وبطريقة البيع بالمزاد العلني حصل على أكبر قدر ممكن من التمويل، ومن دون بخس لقيمة ما جاء به الصحابي العاطل عن العمل من منزله. 

3- وقبل أن يضع بين يدي الصحابي العاطل أصول المبلغ الذي تم جمعه عن طريق المزاد العلني، قسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ إلى قسمين، الأول هو لتغطية الحاجة الأساسية التي ما خرج هذا الرجل إلا بسببها وهو جوع العائلة والعيال والحاجة الضرورية التي من المهم إشباعها كمرحلة أولى، إذ إنها الحاجة الاجتماعية الأساسية المقدمة على ما سواها، والقسم الثاني من المبلغ طلب منه هو ولم يطلب من أحد من الجالسين أو أي شخص آخر، وإنما طلب منه هو أن يقوم بالعمل، ليقوم ليشتري بالمبلغ المتبقي أداة استثمارية ولوازم العمل «الفأس»، وهذا يعني في علم الاقتصاد «شراء الأصول المنتجة». ولم ينته الموضوع عند هذا الحد وإنما ساعده هو صلى الله عليه وسلم وقام بتجميع لوازم العمل وهيئها لتصبح أكثر جاهزية إذ إنه شد العود بيديه الشريفتين. 

4- وبذلك فإنه صلى الله عليه وسلم علمه الدورة الاقتصادية بأن يحول أصول السيولة النقدية إلى أداة إنتاجية وذلك بشراء الفأس، ثم طلب منه العمل وبذل الجهد «بقوله: اذهب» ثم التحويل الصناعي «بقوله: احتطب» ثم تحويل البضاعة إلى نقد بالبيع «بقوله: ِبع»، ولم يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبل على الغارب حتى يتصرف الصحابي العاطل على هواه، وإنما تأتي عندئذ مرحلة المتابعة والرقابة لذلك فأمهله مساحة زمنية معقولة لمعرفة جدوى هذا العمل وما سيعود عليه به من نفع.

5- وبعد المدة المقررة وهي مدة الاختبار، دقق صلى الله عليه وسلم في نتائج عمل الصحابي الذي كان عاطلا، فوجد أن النتائج تبشر بالخير ليس من الناحية المادية فحسب وإنما تمكّن هذا الصحابي من العمل ورغبته في الاستمرار وكان هذا واضحًا على الصحابي وملابسه والتغير الكبير الذي حدث في حياته، وهنا يأتي التحفيز لذلك مدحه وشجعه، وفي الأخير حذره من العودة إلى التسول، والتحذير والتوجيه ليس لهذا الصحابي فحسب وإنما لجميع أفراد المجتمع المسلم حتى قيام الساعة.

ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم كولي أمر للمسلمين وحاكم أن هيأ البيئة المناسبة للرجل أن يعمل ووفر له الأدوات اللازمة للإنتاج والانخراط في الإنتاج حتى لا يصبح عالة على المجتمع المسلم عن طريق التسول والبطالة، بمعنى آخر إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع بعض الحلول الناجعة لأزمة البطالة، وهذا يعني مرة أخرى أنه يجب على ولي أمر المسلمين والحاكم أن يقوم بتهيئة فرص العمل الحلال وتأمين الفرص المناسبة والبديلة للعاطلين والباحثين عن العمل، وخاصة من فئة الشباب من الجنسين.

ولقد أكد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا التوجه في كثير من المواقف والأحاديث النبوية الشريفة، فعَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لأنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أحبلهُ، ثم يأتي الجبل، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ من حَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَه، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أو مَنَعُوهُ»، أخرجه البخاري. ففي هذا الحديث الشريف بيان بقيمة العمل. 

zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news