العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

دعائم النجاح (29): (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الاثنين ٠٣ يونيو ٢٠١٩ - 10:50

مفهوم كلمة الإسلام بمعناها الشامل يعني الاستسلام والانقياد للخالق – جل وعلا – فهو بهذا اسم للدين الذي جاء به جميع الأنبياء والمرسلين، والمعنى الخاص لكلمة الإسلام يعني الشريعة التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين إلى العالمين والتي لا تقتصر على جنس أو قوم ولكن للناس كافة وهي بهذا شرعية عالمية كاملة «الموسوعة الإسلامية العامة، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية مصر» 139.

أو هو دين الله الواحد، الذي أوحاه الله إلى رسله وأنبيائه منذ بدأت الرسالات السماوية وحتى ختامها بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيه اتحدت العقيدة مع تمايز الشرائع عبادات ومعاملات «معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، محمد عمارة» 193.

والإسلام في الشرع على ضربين:

أحدهما: دون الإيمان، وهو الاعتراف باللسان، وبه يحقن الدم حصل معه الاعتقاد أو لم يحصل، وإياه قصد الله تعالى بقوله: (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) الحجرات 14.

والثاني: فوق الإيمان، وهو أن يكون مع الاعتراف «باللسان»، اعتقادًا بالقلب ووفاء بالفعل، واستسلامًا له في جميع ما قضى وقدر، كما ذكر عن إبراهيم عليه السلام في قوله: (إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ * قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) البقرة 131، وقوله تعالى: (إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإسلام) آل عمران وقوله: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا) يوسف 101، أي اجلعني ممن أسلم لرضاك (مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني) ص 423.

قال تعالى: (يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اتّقُوا اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ ولا تمُوتُنّ إِلا وأَنتُم مّسلِمُونَ، واعْتَصِمُوا بحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَت اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلّف بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وكُنتُمْ عَلى شفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنهَا كَذَلِك يُبَينُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلّكمْ تهْتَدُونَ، وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الخْيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئك هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلا تَكُونُوا كالّذِينَ تَفَرّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَت وَأُولَئك لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) آل عمران 102-105.

قال الشيخ عبدالرحمن بن السعدي رحمه الله: هذه الآيات فيها حث الله عباده المؤمنين أن يقوموا بشكر نعمة الله العظيمة بأن يتقوه حق تقواه، وأن يقوموا بطاعته وترك معصيته مخلصين له بذلك وأن يقيموا دينهم الإسلام، ويستمسكوا بحبله الذي أوصلهم إليه، وجعله السبب بينهم وبينه، وهو دينه وكتابه، والاجتماع على ذلك وعدم التفرق، وأن يستديموا على ذلك إلى الممات.

وذكَّرهم بما هم عليه قبل هذه النعمة «الإسلام» وهو أنهم كانوا أعداء متفرقين، فجمعهم بهذا الدين وألف بين قلوبهم وجعلهم إخوانًا، وكانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم من الشقاء، ونهج بهم طريق السعادة، لذلك بين (الله لكم آياته لعلكم تهتدون) إلى شكر الله والتمسك بحبله (الإسلام)، وأمرهم بتتميم هذه الحالة، والسبب الأقوى الذي يتمكنون به من إقامة دينهم بأن يتصدى منهم يحصل فيها الكفاية (يدعون إلى الخير) وهو الدين (الإسلام)، أصوله وفروعه وشرائعه (ويأمرون بالمعروف)، وهو ما عرف حُسنه شرعًا وعقلا، (وينهون عن المنكر) وهو ما عرف قبحه شرعًا وعقلا (وأولئك هم المفلحون) المدركون لكل مطلوب الناجون من كل مرهوب، ويدخل في هذه الطائفة أهل العلم والتعليم و(التعلم)، فكل من دعا الناس إلى خير على وجه العموم أو على وجه الخصوص أو قام بنصيحة عامة أو خاصة فإنه داخل في هذه الآية الكريمة، ثم نهاهم عن سلوك مسلك المتفرقين الذين جاءهم الدين والبينات الموجب لقيامهم به واجتماعهم، فتفرقوا واختلفوا وصاروا شيعًا، ولم يصدر ذلك عن جهل وضلال، وإنما صدر عن علم وقصد سيئ وبغي من بعضهم على بعض، ولهذا قال: (وأولئك لهم عذاب عظيم)، ثم يبين متى يكون هذا العذاب العظيم ويمسهم هذا العذاب الأليم فقال: (يَوْمَ تَبْيَض وُجُوهٌ وتَسوَدّ وُجُوهٌ فَأَمّا الّذِينَ اسوَدّت وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ، وأَمّا الّذِينَ ابْيَضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ، تِلْك ءَايَت اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْك بِالْحَقِّ ومَا اللّهُ يُرِيدُ ظلْمًا لِّلْعَلَمِينَ) آل عمران 106-108 «تيسير الكريم الرحمن».

واجب على المسلم حتى ينجح في الدنيا وينجو في الآخرة أن يمتثل أمر ربه وبتمسك بالإسلام على بصيرة وعلم ولا يسمع لإرجاف المرجفين أو يسلك طريق الملحدين الهالكين الذين تركوا حبل الله المتين، والطريق المستقيم وتعلقوا بعقول ضعيفة ونفوس مضطربة تدعي أن هذا النظام الكوني البديع والمتقن وجد بالمصادفة والعشوائية من دون موجد عليم خبير (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)، فالمصادفة والعشوائية لا يمكن أن توجد التنظيم والاتقان والإبداع، لذلك كان من دعائم النجاح في الدنيا والنجاة في الدنيا والآخرة (يَأَيهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اتّقُوا اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ ولا تمُوتُنّ إِلا وأَنتُم مّسلِمُونَ) آل عمران 102، فهذا طريق النجاة والإلحاد والكفر وهو طريق الهلاك، كفانا الله وإياكم طريق المغضوب عليهم والضالين.

والمغضوب عليهم الذين وصلهم العلم الصحيح النافع وعرفوا الحق وحادوا عنه عن قصد وتعمد، والضالون الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله يطلبون منهم الغفران، ويشرعون لهم ويتبعون شرعهم بغير علم. هذا وبالله التوفيق وللحديث بقية بإذن الله وكل عام وأنتم بخير. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news