العدد : ١٥١٥٦ - السبت ٢١ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٦ - السبت ٢١ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٢ محرّم ١٤٤١هـ

الاسلامي

آداب القرآن في سورة الحجرات (6)

بقلم: د. علي أبوهاشم

الأحد ٠٢ يونيو ٢٠١٩ - 11:18

 

يؤكد القرآن في أكثر من موضع حقيقة خلق الإنسان، وحقيقة أن الناس كلهم ينتمون إلى أصل واحد هو آدم وحواء عليهما السلام، وهذا التذكير بالأصل الواحد كفيل أن يجمع الناس على الأخوة الإنسانية، وإن اختلفت عقائدهم ومذاهبهم، وهو أدعى أن يعيش الناس في أمن وأمان ومحبة ووئام تجمعهم الإنسانية، يؤكد القرآن هذه الحقائق ويجعلها آيات تُتلى آناء الليل وأطراف النهار، في الصلوات وفي الوعظ والتذكير، لأن القرآن دستور الله إلى عباده أول من أسس حقوق الإنسان، وأول من أكد القاسم المشترك بين الناس جميعا، فلا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد، ولا يظلم أحد أحدا، وهذا هو الأدب السابع من الآداب التي اشتملت عليها السورة المباركة. يقول تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات:13. أخرج أبو داود بسنده عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عبداللَّهِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إ«ِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلي أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَبْغِىَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» وأخرج ابن جرير الطبري عَنْ قَتَادَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: ثَلاَثُ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٌ مَدَنِيَّاتٌ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ: هَذِهِ الآيَةُ وهي قوله تعالى (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه واكسوهم)، وَآيَةُ الاِسْتِئْذَانِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وَهَذِهِ الآيَةُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى). وإنما يدل ذلك على تهاون كثير من الناس في الالتزام بما فيها وهو تقصير كبير، قال القرطبي في تفسيره: ونزلت الآية في أبي هند، ذكره أبو داود في (المراسيل)، عن الزهري قال: أمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نزوج بناتنا موالينا؟ (أي: خدمنا) فأنزل الله عز وجل: (إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا). وفي الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب بمكة فقال: يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بآبائها. فالناس رجلان: رجل بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله. والناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). وأخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم. قال: فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فَقِهُوا. وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أحسابكم ولا إلى أنسابكم ولا إلى أجسامكم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم فمن كان له قلب صالح تحنن الله عليه وإنما أنتم بنو آدم وأحبكم إليه أتقاكم». إن الله تعالى لم يخلق الخلق ليتناحروا ويتقاتلوا، ولكنه خلقهم ليتعارفوا ويتآلفوا فيما بينهم، ويتعاونوا على إعمار هذه الأرض، والتفاضل بينهم لن يكون إلا على أساس التقوى والعمل الصالح الذي ينتفع به بنو الإنسان. إنها لمحات سريعة، لا ينقصها إلا التطبيق، حتى نكون مجتمعًا مثاليًّا نجمع بين طهارة الخلق ونظافة القلب واللسان، وحتى نكون مجتمعًا متحابًّا يسوده العدل والإخاء. وقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام على الإخاء، لا يفرق فيها بين أحد، ولم يكن للقبيلة أو اللون أو النسب دخل فيها، إن الأحقية فيها لصاحب الحق مهما كان، فكان بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي إخوة لكل المسلمين، يتولى بلال بن رباح في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في دولة الإسلام الأولى مسؤولية الآذان، ويقول الفاروق عمر بن الخطاب عنه: إن أبا بكر سيدنا وأعتق سيدنا، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم سلمان منا آل البيت. أي بمنزلة واحد من آل بيت النبوة. ما أحوجنا لهذا الأدب القرآني العظيم، الذي يؤكد الأخوة بين الناس أجمعين وخاصة جماعة المسلمين، فهم في الأصل كالجسد الواحد في تماسكه وترابطه، إن قوة المسلمين وعظمتهم تتجلى في عقيدتهم ووحدتهم، وحدة أساسها العقيدة والدين، ترتكز على الطاعة والإيمان بالله رب العالمين، وحينما تحقق الأمة هذا المبدأ العظيم سيكون لها النصر والتمكين، إن أعداء الأمة من الحاقدين والمتربصين يسعون جاهدين، لتفريق وحدة الأمة، وشق وحدتها، وتقطيعها طوائف وأحزابا متناحرة على حطام الدنيا الحقير، واعلم أيها المسلم: أن من أبطأ به عمله لم يُسرع به نسبه. يقول تعالى: (فإذا نُفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون) المؤمنون: 101-103.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news