العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

عمق التعبير وجمال التصوير(28) «فتُثير سحابًا»

بقلم: عاطف الصبيحي 

الأحد ٠٢ يونيو ٢٠١٩ - 11:16

 

جوته يصف القرآن: «هو كتاب الكُتب وإني أعتقد هذا كما يعتقده كل مسلم، فلم يعترِ القرآن أي تبديل أو تحريف، وعندما تستمع إلى آياته تأخذك رجفة الإعجاب والحب» رجفة تتلبس كل من يطوف على القرآن بعين مبصرة وعقل متفتح، ورعشة تتبعها دهشة من هذا السبك الفريد، إنه يأخذ ذوي الألباب إلى عوالم التأمل والتعمق بالتأمل فهو لا يُمل ولا تنقضي أسراره، هو كتاب الكُتب كما قال جوته. 

انتهى بنا الحديث في المقال السابق حول المشاهد السريعة، وسنعرض في هذا الحيز كيف استطاعت الكلمات القرآنية المُجردة أن تصور الأحداث وتأخذنا معها شعوريا إلى زمن طويل وبعيد، وشاهِدنا الأول قوله تعالى (الله الذي يُرسل الرياح فتُثير سحابًا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كِسفًا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون) الروم 48. وننظر في المشهد بعد وصول الماء إلى الأرض (ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع في الأرض ثمّ يُخرج به زرعًا مُختلفًا ألوانه ثمّ يهيج فتراهُ مُصفرًا ثمّ يجعله حُطامًا إنّ في ذلك لآيات لأولي الألباب) الزمر 21. التراخي واضح من خلال الصورة وباستخدام «ثم» فالماء لا يختلط بالأرض ولا بالنبات إنما يسلك ينابيع بعد ذلك «يخرج به زرعًا» وهنا فسحة من الوقت للتمتع بألوان الزرع قبل نضوجه، وتأتي مرحلة تالية «يهيج فتراه مصفرًا» حلت الصُفرة مكان الخُضرة، ويبقى اللون الأصفر مهلة من الزمن، قبل أن «يجعله حُطامًا» وتدنو هنا الدورة الزراعية من نهايتها وفي الغالب بالحصاد الذي يعُم نفعه على الناس، هذه الدورة الزمنية، التي تستغرق فصل «موسم» صُورت بكلمات معدودة وأعطت الشعور بهذا الزمن الطويل نسبيا.

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14))المؤمنون 14.هذه هي مرحلة حياة الجنين، تُعرض بهذا التفصيل، وتتم الإشارة إلى جميع الخطوات، لتقديم العِبرة، وتثير الوجدان، فالإطالة تؤدي هذا الغرض.

الإمعان في تعذيب الكافرين يوم القيامة، يتم تصويره في الكتاب الكريم مطولاً متراخيا، ليُحرك الخيال ويُحقق النفور من أهوال ذلك اليوم عملاً وسلوكًا، (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نُصليهم نارًا، كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب) النساء 56. فالذي يلمس النار سهوًا يشعر بالألم، والذي يذوق النار يوم القيامة لا شك أنه مُعذب عذابًا أليمًا، لكن يؤكد القرآن أنّ مدة العذاب طويلة، قال (كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودًا غيرها) وللقارئ الكريم أن يُطلق العنان لخياله ليتخيل صورة هذا العذاب المُروع، ويزداد الفزع من عملية التكرار، والتي لا يستطيع الخيال تصور طول أمده، والله يقول لهم من خلال هذه الصورة اجتنبوا هذا المصير.

صورة العذاب أي عذاب دنيوي نفسي أو جسدي يتوقف معه الزمن أو كهذا يُخيل للمرء صاحب الألم بسبب المعاناة، فما بالنا بعذاب يوم القيامة ألا يقفز معه خيالنا إلى الأبدية وألا يجتلب هذا الخيال تعديلاً في المنهج، (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا يُنفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يُحمى عليها في نار جهنم فُتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) 35 التوبة -34 ، حتى التبشير استهزائي فيه ما فيه من العذاب، فأجمل لهم العذاب، ثم فصّل لهم بحيث لا ينجو جزء من الجسم إلا يباشره العذاب، ولا بد من الربط بين المدة الطويلة المُستغرقة في جمع الذهب والفضة الذي تأكل العُمر كله، وقوله تعالى (يوم يُحمى عليها) حتى يأذن الله لها بالاكتفاء من الحر والسخونة، وهذا يأخذ وقتا طويلا يناسب طول مدة جمع الأموال وحِرمان المُستحقين منها.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news