العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

المنهج النبوي في الاقتصاد والتجارة: من منهجية رسول الله في حل أزمة البطالة الترغيب في العمل وترك البطالة

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٢ يونيو ٢٠١٩ - 11:16

 

لا يعتبر الإسلام العمل حالة زمانية وقتية يمكن ممارستها في لحظة ثم الانتهاء منها وإلغاؤها أو الاستغناء عنها، وإنما هي ديمومة وحاجة أساسية من حوائج الإنسان التي لا يمكن الاستغناء عنها، فباستمرارية هذا الارتباط الأزلي بين الإنسان والعمل تتشكل شخصية الإنسان وتنمو وتتمكن من الإعمار وتكبر، حينئذ تتحقق شخصية الإنسان ويصل إلى مرحلة نمو الذات التي تُعد أعلى مراتب حاجيات الإنسان كما يشير بذلك العديد من الباحثين.

بهذا المفهوم العميق وجه الإسلام الإنسان للسعي للعمل، وتبناه كأساس ومنظومة مهمة تبنى عليها الحياة والمدن والدول، ولم يترك في هذا الموضوع أي خيار للإنسان، فحتى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وجههم إلى هذا المفهوم، فمثلاً 

وجدنا أن سيدنا يوسف عليه السلام طلب من ملك مصر أن يسلمه وظيفة خازن المال فقال الله تعالى في سورة يوسف على لسان سيدنا يوسف (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ). 

وسيدنا موسى عليه السلام عمل في رعي الغنم ثماني سنوات مقابل أن يتزوج إحدى ابنتي الرجل الصالح.

وسيدنا داوود عليه السلام كان يُجيد الحدادة وصناعة الدروع الحربية.

واشتغل سيدنا زكريا عليه السلام في النجارة فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان زكريا عليه السلام نجارًا» رواه مسلم.

كما تروى العديد من الروايات عن مهن أنبياء الله عليهم السلام، فمثلاً يقال إن آدم عليه السلام كان مزارعًا، ونوح عليه السلام كان نجارًا، وإدريس عليه السلام كان خياطًا، وإبراهيم عليه السلام كان بزازًا (تاجر أقمشة)، وإسماعيل عليه السلام كان قناصًا، وإسحاق عليه السلام كان راعيا، وهكذا سواء إن صدقت هذه الروايات أم لم تصدق وكان فيها شيء من شبه إلا أنها تدل على أن الله سبحانه وتعالى لم يترك مثل هذا الموضوع من اهتمام، وإنما كلف به الأنبياء والرسل حتى يصبح هذا الأمر قضية أساسية من حياة البشر بعد ذلك.

لذلك فعندما تحولت المدينة المنورة من مجتمع جاهلي إلى أول عاصمة إسلامية لم يجلس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير عمل، آملين أن يطعمهم الله سبحانه وتعالى من فضله، أو أن يعيشوا عالة على مجتمع الأنصار وخاصة أهل مكة الذين أتوا وهم لا يحملون أي ثروة معهم وإنما تركوا كل حياتهم خلف ظهورهم، فذهب كل صحابي إلى ما يتقن من عمل.

ففي التجارة كان يعمل أبو بكر الصدِّيق، وعمر بن الخطاب، والزبير بن العوام، وعبدالرحمن بن عوف، وحاطب بن أبي بلتعة، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب رضوان الله عليهم.

وفي بيع الثياب (البزَّاز) كان يعمل عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسويد بن قيس العبدي، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم.

وفي الخياطة كان يعمل عثمان بن طلحة حاجب البيت الحرام، وسهل بن سعد رضي الله عنهما.

وفي التعليم قام به مصعب بن عمير، ومعاذ بن جبل، وعمرو بن حزم رضي الله عنهم.

والقضاء: قام به علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما.

والأذان: قام به بلال بن رباح، وابن أم مكتوم، وأبو محذورة رضي الله عنهم.

وأخذ الجزية: قام به أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه. 

وأخذ الصدقات: قام به جماعة كثيرون منهم عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل، وعدي بن حاتم رضي الله عنهم.

وفي الصيد: كان يعمل عدي بن حاتم وأبو قتادة الأنصاري رضي الله عنهما.

وفي الدباغة: كان يعمل الحارث بن صبيرة رضي الله عنه. 

وفي نسج الخوص: كان يعمل سلمان الفارسي رضي الله عنه حتى وهو أمير في المدائن.

وكان خباب بن الأرت حدادًا، وعبد الله بن مسعود كان راعيًا، وسعد بن أبي وقاص كان يصنع النبال، والزبير بن العوام كان خياطًا، وبلال بن رباح وعمار بن ياسر كانا خادمين، وسلمان الفارسي كان حلاقًا ومؤبرًا للنخل، وخبيرًا بفنون الحرب، والبراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا تاجرين. وحتى السناء كان لهن مهن خاصة بهن، مثل التجميل والخياطة والتمريض والعديد من المهن التي اشتهرت بها العديد من الصحابيات رضوان الله عليهن. 

فبهذه المنظومة المتكاملة من المهن والأعمال نتصور أن مجتمع المدينة – آنذاك – كان خاليا من العاطلين عن العمل والمتسولين والمشردين والكسالى والمتقاعسين لأن كل هذه الصفات لا تتطابق مع العقيدة الإسلامية والمجتمع المسلم، لذلك فعندما رأى الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رجلاً يتسول في المدينة استنكر هذا التصرف، فهذا أمر بالنسبة إليه غير مقبول في هذا المجتمع المسلم، فقال له مالك يا شيخ؟ فقال الرجل: أنا يهودي وأتسول لأدفع الجزية، فقال عمر: والله ما أنصفناك نأخذ منك شابًا ثم نضيعك شيخًا والله لأعطينك من مال المسلمين، وأعطاه عمر رضي الله عنه من مال المسلمين.

zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news