العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٠ - الاثنين ١٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٤ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

دعائم النجاح (28).. (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد)

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الأحد ٠٢ يونيو ٢٠١٩ - 11:15

الفتن المادية والاجتماعية والفكرية تعصف بالجادين المتقين المؤمنين المسالمين كل ساعة وكل دقيقة وهم يرون الكفار بالله والمستهترين بالمبادئ تفتح لهم الأبواب في الدنيا ويتقلدون ما لا يستحقون بطرائق تفتن المؤمنين وتوغر صدور الضعفاء والمتمسكين بالقيم الجادين في أعمالهم، لهؤلاء يقول الله تعالى: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) (آل عمران 196).

يقول الشيخ عبدالرحمن بن السعدي رحمه الله في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: هذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا وتنعمهم فيها وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات وأنواع العز والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله (متاع قليل) ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلاً ويعذبون عليه طويلا، وهذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما يؤول إليه كما قال تعالى: (مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران 197). انتهى.

وهذه تسلية للمؤمنين الجادين المخلصين عندما يرون المرجفين في دين الله وفي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في الفضائيات وفي معظم الصحف يرحب بهم، ويفتح لهم المجال لإبداء الآراء الفاسدة، وعندما يريد الطرف الآخر الرد عليهم يضيق عليه، ويقال له الوقت ضيق والمجال لا يتسع ويتم الإرجاف عليه، والعمل بكل الطرق إلى إسكاته، والتشويش عليه وبذلك يفتن الناس ويضللون ويظنون القصور في القضية التي يدافع عنها وينتفش الطرف الآخر، وفي بعض الأوقات يتم اختيار بعض الأطراف الضعيفة علميا وثقافيا ليتم انتصار الظالم عليها بالباطل، وإن حاول متصل أو حاول كاتب الرد على تلك الأراجيف لا يفسح له المجال، ويتم تلقيب المرجف بأسماء براقة أمام الناس، فيفتتن به الجهلاء.

هذا نوع من تقلب المبطلين والملحدين والمرجفين في البلاد وبين العباد، الله تعالى يكشف حال هذا الصنف من المرجفين والكافرين أمام الناس جميعًا فيقول سبحانه في محكم آياته (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ) (آل عمران 196). فلا تنخدع بهم وبأساليبهم الفاسدة وبمن يساندهم من المتنفذين، فكم من أشباههم قاموا بهذه الأدوار سنوات طويلة وظنوا أنهم خدعوا الناس، وفجأة ينقلب السحر على الساحر، وتأتي الحقيقة حية تسعى لتلقف باطلهم وتلقي به في دركات التاريخ، تذهب الزينة، ويذهب السنيدة وتأكل دابة الأرض منسأة المرجفين، وتبقى الحقيقة واضحة جلية (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ) (الرعد 17) هذا قانون الله في الخلق، الصالح يمكث في الأرض ويُزهر ويُثمر وينتج والفاسد والطالح يزهو سريعًا لبعض الوقت، ويغطي على الصالح، ولكن سرعان ما تهدأ الأمور، وتتضح الحقائق، ويعلم الناس ما ينفعهم ومالا ينفعهم، حدث هذا في ستينيات القرن الماضي عندما علا صوت الشيوعية والشيوعيين وكان لهم دولة عظمى تساندهم وتدعمهم بكل الطرائق، وظنوا أن الحتمية التاريخية آتية بهم لا محالة، وقاضية على الدين لا شك في ذلك، وفجأة تنقلب الأمور رأسًا على عقب ويأتي الزلزال الكاسح ليجعل كل هذه الصروح هباءً منثورا، وقفز الشيوعيون من قطارها المحترق إلى قطار العَلمانية والليبرالية، وفتحت الليبرالية لهم الأبواب وسلمتهم الأبواق وفرح الجهلاء بهذا الخداع الليبرالي ومارسوا دورهم البائد على دين الله، ونسي هؤلاء ما حدث لهم مع الشيوعية، يقول الله تعالى لهم ( مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران 197).

وفي المقابل لهذه الفئات الضالة المضلة يأتي الله تعالى بالطرف المقابل، قال تعالى (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ) (آل عمران 198).

يقول الشيخ عبدالرحمن بن السعدي رحمه الله في المرجع السابق: وأما المتقون لربهم المؤمنون به فمع ما قد حصل لهم من (ظلم) وبؤس وشدة وعناء ومشقة، لكن هذا بالنسبة إلى النعيم المقيم والعيش السليم والسرور والحبور نزرًا يسيرًا ومنحة في صورة محنة، ولهذا قال تعالى: (وما عند الله خير للأبرار) وهم الذين برت قلوبهم فبرت أقوالهم وأفعالهم فأثابهم البر الرحيم من بره أجرًا عظيمًا وعطاء جسيمًا وفوزًا دائما.

هذا هو النعيم الذي ينتظر كل مؤمن متمسك بالعروة الوثقى، العامل بإخلاص وصواب في تعمير الكون بنواميس الله في الخلق، والبعيد عن القول بلا عمل، والمظهر من  الجوهر، وفهم دين الله حق الفهم وعلم دوره الحقيقي في الحياة، ولم ينخدع بالمظاهر الكاذبة المؤقتة التي يلاقيها أعداء الله في البلاد وبين العباد الذين يمنحون الشهادات التقديرية بالظلم والزور، ويلقبون بالألقاب الكاذبة، وتفتح لهم الأبواب ويصفق لهم المخدوعون والجهلاء. لذلك ختم الله تعالى الموقف بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران 200) إنها النهاية العظيمة والفلاح المبين والفوز للصابرين على فتنة تقلب الذين كفروا في البلاد، والداعين الآخرين إلى الصبر والمرابطين على مبادئهم والمتقين لله تعالى في عقيدتهم وأعمالهم تجاه هذه الفتن التي تبث عليهم كل يوم في الإعلام الفاسد والقرارات الفاسدة الذين قال الله تعالى لهم (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران 196-197). 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news