العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

العدد : ١٥٥٢٨ - الأحد ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ م، الموافق ١٠ صفر ١٤٤٢هـ

زاوية حرة

حسين صالح

«لن ننساك يا أبا وائل»

«خُلِقَ الصحفي لتحاصره الأوجاع أينما حل.. فهو لا يمارس مهنة المتاعب فحسب.. بل إن المتاعب والإهانات تأتيه من كل صوب وحدب مهما حاول تفاديها!

هذه الأوجاع لا حصر لها ولا عد.. فهي عبارة عن سلسلة طويلة لا تنتهي أبدا.. ومن بين هذه الأوجاع وليس أولها: أن الصحفي عندما يحسن أو يجيد أو يبدع في أداء واجبه على أفضل وجه فلا أحد يقول له: «أحسنت»، وأن أداءه في هذه الحال يواجه بالصمت الرهيب.. لكن إذا أخطأ -مع اعتراف الجميع بأن الخطأ وارد.. ومن لا يخطئ لا يتعلم ولا يصيب- فإنه «يا ويله وسواد ليله».. حيث يواجه من الجميع بسيل من العقوبات والاتهامات الصعبة التي لا حصر ولا نهاية لها».

هذه الفقرة كتبها أستاذنا ومعلمنا الراحل الأستاذ  لطفي نصر -رحمه الله- في مقاله الأخير الذي نُشِرَ في يوم رحيله، يوم الخميس الماضي، تحت عنوان «أوجاع الصحافة»!

لا أخفي عليكم سرًّا أنّ هذا المقال كتبه وهو في حالة حزن شديد على حال الصحافة والصحفيين؛ فهو لا يكتب عن الصحافة إلا إذا كان مهموما.

أبو وائل الذي عشق مهنة الصحافة وأفنى سنوات عمره في خدمتها إيمانا راسخا منه برسالتها النبيلة ودورها المحوري في نهضة الأوطان وتطورها؛ لأنه كان يؤمن برسالة الصحافة، وهي المهنة التي يكون روّادها الأقرب إلى الناس.

علاقتي بالأستاذ لطفي نصر قديمة ووثيقة، تبدأ من انضمامي إلى العمل في صحيفتنا «أخبار الخليج»، أي منذ حوالي 30 سنة، عملت فيها مع حبيبنا «أبو وائل»، وهذا ما يجعل أثر فقده بالغاً في أنفسنا.. لا أتخيل أن أدخل مبنى الجريدة يوما ولا أجد سيارة أستاذنا «أبو وائل» في موقفها أمام الجريدة، أو أن أدخل صالة التحرير وأجد مكتبه مقفولا!

ويحصل أحيانا أن أكون منهمكًا في العمل فأتأخّرُ عن زيارتي المعتادة له في مكتبه، فأفاجَأ به يأتي بنفسِه إلى مكتبي ليقول كلمته المحبَّبة التي أسمع صداها في أذني حتى اللحظة:

- «فينك يا سحس.. إنت مش كويس».

فأجيبه قائلا:

- ليه بس يا أستاذ؟

- ليه ما جيتني المكتب تسلم عليّ؟  

- ما نقدر نستغني عنك يا أبو وائل؟

تعلمت من أستاذنا الكبير الراحل لطفي نصر الشيء الكثير عن خبايا «صاحبة الجلالة».. دائما ما يقول لي: «أنا قدمت تحقيق.. عاوزك إنت تخرجه.. عاوزك تبدع في الإخراج يا سحس».

كان الأستاذ الراحل يتجمّلُ بخُلُقٍ رفيع، وتواضع لا تجدُ نظيره في شخصٍ بمثل مكانته ومنصبه، كنتُ ألمسه واقعا عندما كنا نختلف أحيانا في العمل، تجده سبّاقًا في إبراز خلقه بكل تواضع، وهو المعلّم صاحب التجربة، فتراه يبادر بالاعتذار حتى لو لم يكن هو المخطئ، ويقول: «نعمل إيه؟ نصيبنا أن نشتغل بالصحافة ونحفر في الصخر يوميا.. ما تزعلش إنت زي ابني»!!

لم أكن له زميلاً في العمل فحسب، بل ابنًا وصديقًا.. كنا نتكلم في أمور تخصّ العمل وأمور أخرى خارج دائرة العمل.. كان العزيز أبو وائل يفتح قلبه لي وأفتح قلبي له في كل شيء.. نتحاور في أمور كثيرة.. حتى في الأمور الخاصّة المرتبطة بالعمل والتي يجب ألا تُذاع، كان يقول لي: «خلي بالك في كذا وكذا، وأنا أثق فيك».

جميع الموظفين يُكنّون لأستاذنا ومعلمنا الراحل كلَّ المحبة والتقدير.. كان لا يردُّ أحدًا يسأله مساعدته، ودائما ما تسمعُ منه الكلمات التي يطمئن بها قلب من يلجأ إليه في حاجة: «خلاص، غدا أنا في انتظارك، أنا بنفسي أدخل على المسؤول أكلمه يساعدك».. يترك أشغاله ويفرّغ نفسه ويذهب مع صاحب الحاجة إلى المسؤول ويبقى معه حتى يقضي له حاجته.

وهكذا نرى أن معلمنا وأستاذنا لطفي نصر كان مُخلصا للغاية في الدفاع عن حقوق الموظفين وبسطاء الناس.. وهذا ما جعله يتمتع بشعبية كبيرة في أوساط هذه الفئات.. ونظروا إلى قلمه باعتباره لسان حالهم والمعبر دائما عن همومهم وتطلعاتهم المشروعة.

في قلوبنا دائما يا أبا وائل.. ولن ننساك.

ونسأل الله أن يتغمدك برضوانه وواسع مغفرته، وأن يلهم أهلك وذويك الصبر والسلوان.

إقرأ أيضا لـ"حسين صالح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news