العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الثقافي

سلمان الحايكي تقريبا!

بقلم: كريم رضي

السبت ٠١ يونيو ٢٠١٩ - 10:20

في كل منا سلمان الحايكي. مضى سلمان الحايكي فجأة مثل زجاجة بيضاء سقطت من سمائنا على حجر صلد فانكسرت على حين غرة وما من سبيل لاستعادتها أبدا. هكذا هو الموت الذي كان يترصده فيما كنا نعد الأيام أو الشهور لنقول غدا سنتواصل، غدا سنستمع، غدا سنقول لبعضنا إننا نحب، غدا سنكتب رسالة على وسيلة تواصل، غدا سنتحدث عبر الهاتف، وفجأة ليس ثمة غدا. هناك فقط الآن وقد غادر من كنا نمني النفس بأن نلتفت يوما إليه أو يلتفت إلينا، وهناك الماضي الذي هو الآن حاضرنا الوحيد. 

لا نتحمل وحدنا بالطبع عبء هذا الانفصال فيما بيننا. جزء منه يسأل عنه سلمان الحايكي رحمه الله نفسه. كان سلمان من الاعتزاز بتجربته إلى الحد الذي يشعر أنه يستحق مكانة أفضل بين مجايليه من أصحاب التجربة الطليعية الحديثة في الشعر والسرد. وحين اقول مجايليه اقصد بالطبع ذلك الجيل الذي أسس أسرة الأدباء والكتاب والذي نشر كتاباته الأولى في الكتاب الفصلي (كتابات). هذا الشعور بالمكانة المستحقة والمفقودة في الوقت نفسه حجب تواصل سلمان الحايكي رحمه الله عن التواصل مع الوسط الأدبي ليكتفي بإرسال طلقاته بعيدة المدى كلما بدا له ما لا يروق لمزاجه المتمرد. 

كان سلمان الحايكي من جيل اتصلت فيه الرياضة بالادب، هناك لدينا في السرد محمد عبدالملك عميد الفن السردي في البحرين وهو الآخر كان مدرس رياضة، يتذكره عدد من طلبة فترة السبعينيات. وأحسب أن لدينا اليوم أديبا آخر جمع بين الاهتمامين وهو القاص حسن بو حسن. 

لم تتح لنا مشاغل الوقت أن نتعرف اكثر على تجربة هذا الجمع بين رياضة الجسد ورياضة الروح. احسب أننا بحاجة لكشكول بعنوان «رياضيون وأدباء»، قد نفاجأ بمادة ثرية لم نتوقعها.

الآن فقدنا سلمان حين كنا نسوف العمل بأننا سنفعل شيئا يوما ما. علينا أن نتحرك فحركة الموت دائما أسرع من حركة الحياة. قد لا تكون أسرع بالسير لكنها أكثر مباغتة. لا يحتاج الموت أكثر من التوقف عن الحياة دفعة واحدة وينتهي كل شيء. الحياة قد تكون في حركتها أسرع لكنها أطول طريق. الحياة تراكم والموت عصف. ما تراكمه الحياة في دهر يعصف به الموت في ثانية. لنتصرف سريعا كأننا سنموت غدا كما يقول علي بن أبي طالب. 

فقدنا سلمان من دون مقدمات. شخصيا قرأت له «الجوارح» و«مطر على وجه الحبيبة» وهو ينتسب لمجموعة شعراء كتبوا النصين العامي والفصيح مثل علي الشرقاوي وإبراهيم بو هندي وعلي عبدالله خليفة. قرأت بالإضافة لذلك بعض مقالاته في الصفحة الثقافية بأخبار الخليج. لم أقرأ مسرحياته الشعرية القصيرة. كان سلمان حادا في آرائه تجاه الحداثة وتجاه قصيدة النثر. كان بالمعنى الأدبي أرثوذكسيا في التعامل مع الأشكال الجديدة للنص الأدبي. لكنه يبقى إنسانا جميلا. وحالما يشعر بأن ما كتبه آثار غبارا من عدم الود، يعود فيتواصل لئلا يفسد اختلاف الرأي للود قضية. تلك فضيلة سلمان الرائعة.

سياسيا قرأت له في الصحف بعض المقالات. لا يبدو سلمان الحايكي في الكتابة المقالية مثل غيره في الأدب. كان سلمان يؤمن بالأدب الذي يمثل الآيديولوجيا بلا مواربة ولا مسافة بين نص الابداع ونص النضال. هذا بالتحديد ما تقوله كتاباته في الأدب وفي السياسة وفي النقد. الفكرة البديهية لأول وهلة ذاتها، أن الأدب ليس إلا صوت الأديب وموقفه تجاه الأشياء والأحداث.

أخيرا، للرحيل المر لأي كاتب فضيلة وحيدة لا غير. إتاحة الفرصة لمن حول الراحل ان يجمعوا تراثه ويصدروه في كتاب أو كتب، طالما لم يعد هناك المزيد مما سيكتبه. وسلمان يستحق ذلك منا جميعا. أعماله الأدبية والمقالية في الرياضة والسياسة والنقد. 

أحسب بالتأكيد أن كتاباته أكثر مما نظن. لدي خبرة بالحدس العفوي والتخمين أن سلمان الحايكي من فصيلة أولئك الذين يكتبون ولا يجمعون ما كتبوا. يبعثرون ما كتبوا في الأدراج والمكاتب والحواسيب والهواتف الذكية والأوراق المتناثرة هنا وهناك. علينا جمع كل ذلك بعيدا عن حكم القيمة. حين يغادر المرء الحياة ينتهي حكم القيمة ويصبح كل ما تركه قيما. 

سيكون متعبا العمل على جمع تراث كهذا مبعثر في أمكنة وأزمنة. لكنه جهد مستحق. إن كنا نسمع صوته الآن كصدى بعيد من عالم لا نراه ولكننا نشعر به: «لا تفقدوني مرتين».

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news