العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

الثقافي

ســــرديـــات: «سيدات القمر».. «أجرام سماوية» لجوخة الحارثية وجائزة «مان بوكر الدولية»

بقلم: د. ضياء عبدالله خميس الكعبيّ *

السبت ٠١ يونيو ٢٠١٩ - 10:16

«على كثرةِ أسفاري مازلتُ أفضلُ الجلوسَ بجانبِ النافذةِ ومراقبةِ المدنِ وهي تصغرُ تدريجيا حتّى تتلاشى. قالتْ لندن: «تسافر كثيرًا يا أبي». لم أقلْ لها إنّنا في الغربة نتعرفُ على أنفسنا بشكلٍ أفضل كما في الحبِّ. لندن لا تعرفُ الكثيرَ عن الغربةِ، ولكنَّها تعرف بكلِّ تأكيدٍ عن الحبِّ»

 جوخة الحارثيّة «سيدات القمر».

عندما كتبتْ الروائيّة البريطانيّة من أصل صينيّ يونغ تشانغ سيرتها الذاتيّة «بجعات برية دراما الصين في حياة نساء ثلاث (1909_1978) كانت تسردُ تاريخًا شخصيا استعاديا ملحميا يتواشجُ فيه الذاتيّ الحميميّ بالتاريخيّ والسياسيّ والثقافيّ في حياة نساء صينيات ثلاث؛ جدة الكاتبة المولودة عام 1909. وابنتها التي نشأتْ في منشوريا في ظلّ الاحتلالين اليابانيّ فالروسيّ، ثمَّ الحفيدة يونغ تشانغ التي عاشتْ سنوات الثورة الثقافيّة حتى استقرارها بعد ذلك في بريطانيا. إنَّ فرادة هذه السيرة الذاتيّة تكمنُ في كونها أول سيرة ذاتيّة نسوية لكاتبة صينيّة اقتحمتْ بجرأة بالغة خفايا المجتمع الصينيّ الشيوعيّ، وأبرزتْ المسكوت عنه من المحظورات التي لا يُسمح بتداولها آنذاك، وشرَّحتْ بشجاعةٍ بارزةٍ مفاصل الفساد الشيوعيّ، وحطَّمتْ الأساطير المؤسِّسة لرمز الثورة الثقافيّة الصينيّة ماوتسي تونغ مبيِّنة زيف هذه الثورة التي وُسِمتْ خطأ بأنّها «ثورة ثقافيّة»! 

«سيدات القمر» هي الرواية التي أنجزتها الروائيّة والأكاديميّة العُمانيّة الدكتورة جوخة الحارثيّة قبل حوالي تسع سنوات، وصدرتْ في نسختها العربيّة عن دار الآداب اللبنانيّة. وهذه الرواية تنتمي أيضًا إلى النوع السرديّ(رواية الأجيال) لسيرة سردية متخيّلة في حياة أجيال عُمانية متعاقبة، ويمتد السرد في إحالاته الزمنية من عشرينيات القرن العشرين إلى مطلع الألفية الثالثة من خلال حياة ثلاث شقيقات في القرية العمُانيّة «العوافي». ورغم أنَّ جوخة الحارثيّة صرّحت في أحد لقاءاتها المتلفزة بأنَّها كي تنجزَ هذه الرواية عادتْ إلى عشرات المصادر والوثائق التاريخيّة التي أرَّخت تاريخ عُمان، وخاصة الوثائق التي تحدَّثت عن تجارة الرقيق(العبيد) إلا أنّها تعترف بأنّها لم تكن معنية بالسرد التوثيقيّ التسجيليّ المفصّل الأرشيفيّ لتاريخ محليَّ (تاريخ عُمان الحديث والمعاصر) قبل النفط (المرحلة الكولونيالية) وبعدها. كانتْ جوخة الحارثيّة معنية بالتمثيلات الثقافيّة الكبرى التي يفصح عنها خطابها الروائيّ في تمثيلات كونية تتجاوز التواريخ المحليّة إلى الكونيّة العالميّة مثل كينونة الإنسان الحقيقيّة في رغبة كائنات هذه الرواية في الانعتاق من الحدود الضيقة إلى تقبّل الآخر على اختلافه (العقائديّ والعرقيّ (أبيض/أسود(عبد)، وسياسات الجنوسة (التذكير والتأنيث الثقافيين). ورصدتْ جوخة الحارثيّة من خلال سردها المتخيّل عالم القرية والمزارع والأفلاج وتاريخ الأسياد/ العبيد وحياة الصحراء(البداوة). 

تحتاج قراءة هذه الرواية إلى جهد كبير في التركيز للإمساك بخيوط السرد المتشعب الذي تنسجه الروائية بمهارة بالغة للغاية رغم تعدّد وجهات نظر الشخصيات الروائيّة وتعدّد الأصوات السردية إلى درجة التداخل والتماهي في قصدية واضحة من الروائيّة للخروج عن الحبكة السردية المتسلسلة: ثمّة تقطيعات كثيرة زمنية في هذه الرواية من الاستباقات الزمنية والارتجاعات، تذكرتُ وأنا أقرأها رواية «البحث عن الزمن الضائع» للروائيّ الفرنسيّ مارسيل بروست التي يحتلّ فيها الزمن العنصر المهيمن.

 لم تحظ رواية «سيدات القمر» عربيا بأي شهرة عندما أنجزتها جوخة الحارثية قبل حوالي تسع سنوات، كما أنهّا لم تفز بأي جائزة عربيّة للرواية بما في ذلك جائزة البوكر للرواية العربيّة، والتلقي الوحيد الذي حظيتْ به هو بعض الدراسات والمقالات المحدودة الشهرة. لقد ظلّتْ هذه الرواية مغيّبة نقديا في الأوساط النقدية العربيّة، ولم يُلتفت إليها ولا إلى كاتبتها في حين شهدتْ الأوساط النقدية والإبداعيّة العربيّة فوز بعض الروائيين بجوائز عربية كبرى للرواية وهم من فئة الشباب (الكويتيّ سعود السنعوسيّ والسعوديّ محمد حسن علوان) على سبيل المثال، وشكّل موضوع الآخر محورًا لأعمالهما.

 وبعد تسع سنوات من النسخة العربيّة لـ«سيدات القمر» تفوز نسختها المترجمة إلى اللغة الإنجليزية بجائزة (مان بوكر الدوليّة)، وتصبح هذه الجائزة الدولية المرموقة مناصفة بين الروائية العُمانية جوخة الحارثية والمترجمة الأديبة والأكاديمية الأمريكية أستاذة دراسة العالم العربيّ المعاصر في جامعة أوكسفورد مارلين بوث. وعنوان الرواية في ترجمتها الإنجليزية هو(Celestial Bodies. وقد وصفتْ رئيسة لجنة التحكيم بيتاني هيوز الرواية بقولها «الأجرام السماوية تتناول القوى التي تقيّدنا وتلك التي تحرّرنا».

 ولابدَّ من التفريق بين جائزة البوكر العالميّة للرواية وبين جائزة Man Booker International prize؛ فجائزة البوكر العالمية تأسّستْ في بريطانيا عام 1968. وتُمنح لأفضل رواية كتبها مواطن من المملكة المتحدة أو من دول الكومنولث أو من جمهورية أيرلندا، وتفرعت عنها ثلاث جوائز عالميّة هي جائزة بوكر الروسيّة، وجائزة كاين للأدب الإفريقي، والجائزة العالميّة للرواية العربية التي أُطلِقَتْ في أبوظبي في أبريل 2007. أمّا جائزة مان بوكر الدولية فقد تأسّستْ رسميا في بريطانيا عام 2005. وتُمنح هذه الجائزة كلَّ سنتين لرواية مترجمة، وتكون بالمناصفة بين صاحب العمل الأصليّ والمترجِّم. ويقتضي هذا الفوز وجود نص روائيّ استثنائيّ مغاير مع ترجمة استثنائية مغايرة أيضًا، ومن دون هذا التكامل لا يحصل الفوز. لقد استغرقت كتابة هذه الرواية من جوخة الحارثيّة قرابة خمس سنوات، واستغرقت من المترجمة بضع سنوات قضتها في ترجمة نص صعب حافل بالكثير من مفردات اللهجة العُمانية المحلية. ومنجزتا هذا العمل كتابة النص الأصليّ وترجمته هما مبدعتان وأكاديميتان في الوقت نفسه، وهنا مكمن الإنجاز المتألق الذي لم يتأت سوى بعد سنوات من العمل الإبداعيّ والصبر عليه حتى يُنجز بما يليق به. الرواية هي أصعب أنواع الكتابة السردية، وتحتاج بالفعل إلى نفس طويل متأنٍ حتى تكون رواية جديرة بالبقاء والخلود، وهنا مصائر الروايات بعد عقود طويلة من كتابتها. الأعمال الإبداعيّة المؤثِّرة التي تبقى في ذاكرة التاريخ السرديّ الكونيّ هي التي ستبقى بعد قرون عدة مؤثِّرة وفاعلة رغم تغير الذائقة واختلاف الأجيال.

 إنَّ فوز رواية «سيدات القمر» لجوخة الحارثية في نسختها المترجمة «أجرام سماوية» يعكس ذلك التفاوت الكبير في اختلاف ذائقة التلقي بين بعض الأوساط العربيّة النقدية التي لم تجد في هذه الرواية ما يجذبها إلى استحقاقات الفوز واستحقاقات التلقي، فضلاً عن وجود «استعلاء نقديّ» و«مركزية ثقافية» لاتزال للأسف تحكم بعض النقاد العرب وهم يقرأون أعمالاً إبداعيّة خليجيّة، رغم أنَّ الأدب الخليجيّ أثبت وبقوة تفوقه وصدارته لأن تكون بعض أعماله في المركز الثقافيّ للتلقي وليس في الهامش. في حين أنَّ الأوساط النقدية الغربيّة التي التفتتْ وبعمق إلى كون هذه الرواية رواية مغايرة وتستحق الفوز، وخاصة أنَّ هذه الأوساط معنية بالتواريخ المحلية والهويات الثقافية المهمشة وتمثيلات الأنا والآخر. ورواية «سيدات القمر» تحتفي بهذه الموضوعات وبقوة.

 فوز رواية «سيدات القمر» لجوخة الحارثيّة حدث ثقافيّ عربيّ جدير بالاحتفاء، خاصة مع نيل امرأة عربيّة لهذه الجائزة العالميّة المرموقة في مجال الرواية. وربّما تكون هذه الجائزة مجالاً لانفتاح الأوساط النقدية العالميّة أكثر على الرواية العربية المعاصرة على اختلاف خطاباتها وتمثيلاتها، بما في ذلك التواريخ المحلية والهويات الثقافية المهمشة. 

أستاذة السرديات والنقد الأدبيّ الحديث المساعد، كليّة الآداب، جامعة البحرين.

dheyaalkaabi@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news