العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢١٨ - الجمعة ٢٢ نوفمبر ٢٠١٩ م، الموافق ٢٥ ربيع الأول ١٤٤١هـ

في الصميم

أوجاع الصحافة

خُلِقَ الصحفي لتحاصره الأوجاع أينما حل.. فهو لا يمارس مهنة المتاعب فحسب.. بل إن المتاعب والإهانات تأتيه من كل صوب وحدب مهما حاول تفاديها!

هذه الأوجاع لا حصر لها ولا عد.. فهي عبارة عن سلسلة طويلة لا تنتهي أبدا.. ومن بين هذه الأوجاع وليس أولها: أن الصحفي عندما يحسن أو يجيد أو يبدع في أداء واجبه على أفضل وجه فلا أحد يقول له: «أحسنّت»، وأن أداءه في هذه الحال يواجه بالصمت الرهيب.. لكن إذا أخطأ -مع اعتراف الجميع بأن الخطأ وارد.. ومن لا يخطئ لا يتعلم ولا يصيب- فإنه «يا ويله وسواد ليله».. حيث يواجه من الجميع بسيل من العقوبات والاتهامات الصعبة التي لا حصر ولا نهاية لها.

أسوأ شيء يُواجَهُ به الصحفي يتحقق عندما يصر مصدر الخبر أو الموضوع أو المعلومة على أن يُعرض عليه الموضوع أو الخبر أو الحوار بعد صياغته مباشرة وقبل نشره.. وهنا يصبح الصحفي بين نارين أو أكثر تفاديا لشعوره وإحساسه بأنه إنسان مفقودة فيه الثقة، وهي التي تعد من أهم مكونات رأسمال الصحفي.. ولتفادي هذا الشعور أو هذا الإحساس المميت بالشعور القاسي بأنه إنسان مفقود الثقة فليس أمامه سوى أمرين؛ إما ألا يستجيب لهذا المطلب الغريب وغير الشرعي الذي ليس له وجود في قاموس الصحافة.. ثم يتوكل على الله وينشر كل ما حصل عليه من حوارات وأحاديث من دون وجل.. وهو -أي الصحفي- الذي يعرف أن الإقدام على مثل هذه الخطوة قد يترتب عليه القطيعة بينه وبين مصدر الخبر.. أو قد يفقده إلى الأبد.. وخاصةً إذا كان المصدر ذا سلطة مهما كانت بسيطة فإن الصحفي الذي لا حول له ولا قوة قد يجد نفسه في غمضة عين وراء القضبان!

بينما هناك حل أو منفذ آخر أقل وطأة.. وهو أن يستجمع الصحفي كل قوته ويسلم المصدر كل ما كتبه أو صاغه ليراجعه ويشطب منه كما يشاء أو يحوله إلى الشكل الذي يريده هو وقد لا يريده القارئ.. إضافة إلى أنه تنجرح في نفسه الثقة بالنفس.. وينعدم إحساسه بقدرته على الخلق والإجادة.. وهنا قد يتسرب الإحساس في نفس الصحفي أنه لم يعد نافعا لممارسة الصحافة، وعليه أن يفكر في اختيار طريق آخر غير ممارسة هذه المهنة المُدمرة للمستقبل.. وأن هذا الشعور قد لا ينفع مع صحفي يقترب من نهاية المشوار الصحفي.. كما هو أنا بالضبط!

وقد علمونا في كلية الصحافة أن نتفادى في مثل هذه الحالة السماح باستشرائها لأن الصحفي قد يفقد نفسه من خلالها أو كرامته بأكملها.. وإن كان أساتذتنا قد أجازوا عرض المادة الإعلانية بعد صياغتها أو تصميمها وإخراجها أو حتى تحريرها.. ذلك لأن فقد الثقة هنا يكون مدفوعا ولا علاقة له بالثقة أو فقدها في هذه الجزئية، وهذا يعني أن مسألة الثقة هنا هي موضع خلاف ويمكن التفريط فيها بسهولة على أساس أن الإعلان يشكل الضمان الحقيقي لاستمرار المسيرة الصحفية.. ويحدد مستقبل الصحيفة بأكملها مع مصير كل من يعملون بالصحيفة عن بكرة أبيهم!!

وعمومًا فإن هذه الجزئية يمكن أن تكون جوازية.. ويمكن أن تسري عليها القاعدة التي تقول: «العقد هو شريعة المتعاقدين».. ولكن هذه القاعدة لا تنفع ولا تصلح مع العمل الصحفي التحريري.. وهو الرئيسي في أي صحيفة.. لأنها تعد موافقة من الصحفي على خسران نفسه وكل مستقبله ومعها ثقة الآخرين فيه.

الحل الوسط لقضية طلب بعض الجهات الاطلاع على المواد التحريرية قبل نشرها هو تحديد النقاط التي لا يجور التعرض لها خلال صياغة المادة التحريرية والنشر.. وهذا العمل قد يرضي كل الأطراف.. وطبيعي أن تسارع الصحف إلى الأخذ به ووضعه موضع التطبيق.. وهذا الحل يتم الالتزام به في جميع الصحف حيث يتم استخدامه منذ سنين طويلة من دون أي إخلال به، وذلك بدلا من الدوامة التي تحدث عند طلب المادة التحريرية بالكامل وتعطيل الأمور.. ذلك لأنه لا يوجد أي نوع من أنواع الرقابة على الصحف، وحرية التعبير مكفولة للجميع على أرض المملكة منذ سنين طويلة.

وجعٌ آخر يحدث أحيانًا.. هو أنه عندما يُدلي الصف القيادي الثاني أو الثالث بحديث أو تصريح لصحيفة ما.. ثم يكتشف الوزير أن التصريح مغلوط، أو ليس متوافقا مع الحقيقة المؤكدة أو أنه لم يرضه.. فإن هذا المسؤول أو القيادي يسارع إلى تكذيب الخبر أو المعلومة ويدبج ردا لا يتورع عن أن يهين من خلاله الصحفي من دون أي ذنب يكون قد اقترفه.. وهنا يقع الصحفي في حرج لا أول له ولا آخر.. ويشعر بجرح كبير إزاء ما يجب أن يفعله.. فهل يُظهر الحقيقة أمام الوزير وخاصةً عندما يكون لديه تسجيلٌ كاملٌ للحديث أو الحوار الذي أجراه مع المسؤول.. وتتحول العلاقة بين الصحفي والمسؤول إلى خصومة بعد أن كانت علاقة ود وثقة وتعاون؟

لا حل لمثل هذا الوجع.. سوى أن تتوافر الجرأة لدى المسؤول.. ولدى الصحفي أيضا.. ويسارع من يملك الحقيقة إلى الاعتراف بها.. على الأقل خدمةً للحقيقة.. ولكن ما يحدث عادةً هو أن يصمت الصحفي ويدع المسألة تمر حتى لو نشر المسؤول ردًّا يُهين فيه الصحيفة ويهينه..  أو أن يملك مسؤول الصف الإداري الثاني أو الثالث الجرأة ليصمت أو يصارح الوزير أو الوكيل بالحقيقة.. وإن كان هذا الحل الأخير نراه بعيدَ المنال.. وهكذا عودتنا الأحداث ومعضلات مهنة الصحافة، ويمكن أن يحدث ذلك في المؤسسات والهيئات العامة والخاصة أيضا.

هذه مجرد أمثلة سريعة لأوجاع كثيرة يتعرض لها الصحفي.. والذنب ليس ذنب الآخرين.. ولكن الذنب هو ذنبنا نحن الصحفيين.. فقد أبلغونا وحذرونا منذ أول يوم جلسنا فيه على مقاعد دراسة الصحافة بجامعة القاهرة قائلين لنا: إن الصحافة هي مهنة المتاعب.. فهل تقبلون؟ أجبنا جميعا وكنا (40) طالبا -وعملنا جدعان- وقلنا في نفس واحد: نعم نقبل؟ وأضاف المتحدث إلينا الأستاذ إبراهيم إمام رحمه الله أستاذ الصحافة آنذاك.. في حديث لن ننساه ما حيينا.. ليزيد أوجاعنا مقدما مضيفا: لعلكم جميعا، تدركون أن مهنة الصحافة هي تماما مثل مهنة الفن والفنانين.. إنها لا تقود إلى الثراء مهما عملتم واجتهدتم أو «مَوَّتُّمْ أنفسكم في العمل».. كما أعتقد أن بينكم من يعلم أيضا أن معظم الممثلين والممثلات قد ماتوا فقراء ومعوزين!!

وصدق أستاذ الصحافة والترجمة في قسم الصحافة بكلية الآداب بجامعة القاهرة الأستاذ إبراهيم إمام في نهاية خمسينيات القرن الماضي وأوائل الستينيات منه!!

إقرأ أيضا لـ""

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news