العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٩ - الأربعاء ٢٦ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٣ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

التلوث قنبلة دمار شامل للجسم البشري

بقلم: د. إسماعيل محمد المدني

الاثنين ٢٧ مايو ٢٠١٩ - 01:15

هل تُبالغ منظمة الصحة العالمية، وهي الذراع الصحية الدولية للأمم المتحدة عندما تُعلن رسميا أن التلوث بشكلٍ عام، وتلوث الهواء بشكلٍ خاص يُعد السبب الرئيسي لنقل الإنسان مبكرًا إلى مثواه الأخير، وأن هذا العدد بلغ نحو 8.8 ملايين إنسان في عام 2018؟

وهل تدَّعي منظمة الصحة العالمية عندما تُصرح أمام العالم بأن أكثر من 90% من سكان الأرض يعيشون في بيئاتٍ هواؤها ملوث وسام لا يُعين على استدامة حياة الإنسان؟ 

وهل تتمادى الوكالة الدولية لأبحاث السرطان وهي وكالة شبه حكومية دولية تابعة لمنظمة الصحة العالمية في أخذ الحذر الشديد عندما قامت بتصنيف الهواء الجوي بأنه «مسرطن للإنسان»؟

وهل تبالغ منظمة الصحة العالمية عندما أعلنت أن عوادم سيارات الديزل تُعتبر من مصادر الإصابة بالسرطان، وبخاصة سرطان الرئة؟ 

فهذه المنظمة تتكون عضويتها من كل دول العالم وقراراتها تعتمدها حكومات دول العالم بشكلٍ رسمي، ولذلك فكل ما يصدر عنها من إعلانات وتصريحات وقرارات تمثل إلى حدٍ بعيد وجهة نظر حكومات العالم في المجال الصحي، وقراراتها تكون مبنية على دراسات وأبحاث طبية موثوقة ومعتمدة.

فمن الواضح إذن ومما لا لبس فيه أن تلوث الهواء يُشكل تهديدًا صحيا للمجتمع البشري برمته، وفي كل يوم يكتشف العلماء بُعدًا جديدًا لم يكن في الحسبان لهذا التلوث، ليس على جسم الإنسان من الناحية العضوية الفسيولوجية فحسب، وإنما أيضًا من الناحيتين النفسية السلوكية والعقلية المعرفية.

أما من الناحية العضوية، فإن الاعتقاد التقليدي السائد منذ زمنٍ بعيد عند الأطباء وعامة الناس بأن تلوث الهواء يهاجم فقط الجهاز التنفسي، وذلك لأن الإنسان يستنشق هذا الهواء الملوث مباشرة فينتقل في نهاية المطاف إلى أن يحُط رحاله في أعماق الرئتين، وبالتحديد في الحويصلات الهوائية، فيعرض الإنسان لعدة أمراض مثل الربو، والانتفاخ الرئوي، والالتهابات الحادة والمزمنة لكل مجرى التنفس، والحساسية، وسرطان الرئة والحنجرة. 

ولكن الاكتشافات الحديثة أجمعتْ على أن تأثير الملوثات لا يقتصر ولا ينحصر فقط على الجهاز التنفسي فحسب بل تضرب هذه الملوثات بدن الإنسان برمته من أعلى الرأس إلى أخْمَص القدمين، فلا تترك شبرًا من جسم الإنسان إلا وتهاجمه وتصيبه بالعلل المزمنة والموت المبكر البطيء، ولا تترك خلية واحدة في أي عضوٍ من جسم الإنسان إلا وتفسدها وتدمرها مع الوقت. فقد تبين الآن بأن الدخان أو الجسيمات الدقيقة المتناهية في الصغر والتي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر تنتقل إلى داخل خلايا الرئة ومنها تدخل إلى الدورة الدموية فتسير فيها وتنتشر إلى خلايا الجسم الموجودة في كل عضو من أبداننا، حيث أثبتت الدراسات تجمع وتراكم هذه الجسيمات في خلايا المخ وأعضاء أخرى كثيرة.

فهذه الأحجام الكبيرة من خليطٍ معقدٍ سام ومسرطن من الملوثات التي نتعرض لها من السيارات والمصانع ومحطات توليد الكهرباء، تنتشر في كل ثانية من حياتنا في كل خلية من أجسامنا أينما كانت فتتراكم هناك وتعرضنا مع الزمن للكثير من الأمراض التي أكد العلماء علاقتها بالتلوث، أو في الأقل إسهام التلوث الفاعل في الوقوع فيها. 

فالدراسات أجمعتْ على أن السكن في مناطق ملوثة، حتى ولو كان التلوث بكميات منخفضة أقل من المواصفات والمعايير الخاصة بجودة الهواء، فإنه يُقلل من عمر الإنسان بشكلٍ إجمالي عدة سنوات، فتهوي به إلى مصيبة الموت المبكر، وتَعَرضُ الأم الحامل بشكلٍ خاص للملوثات يسبب لها مضاعفات كثيرة أثناء الحمل وبعد الحمل، منها الإجهاض، أو الولادة المبكرة، أو انخفاض وزن الجنين، أو ولادة جنين مصاب بالأمراض والإعاقات الجسدية والعقلية نتيجة لسكن الأم بالقرب من مصادر التلوث.

 كما أن الملوثات تصل إلى أغلى مضغة موجودة في جسم الإنسان، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله وهي القلب، فتُسبب انسداد الشرايين، وارتفاع ضغط الدم، والتعرض للنوبة القلبية والموت المفاجئ. 

كذلك أشارت الأبحاث إلى وجود علاقة قوية بين الإصابة بالبدانة ومرض السكري والخرف وهشاشة العظام والعيش في مناطق ملوثة، إضافة إلى وجود علاقة حميمية بين بعض الملوثات بشكلٍ خاص والإصابة بالسرطان، مثل علاقة البنزين الذي ينبعث من السيارات ومن حرق البخور والعود ومن التدخين بالإصابة بسرطان الدم أو اللوكيميا.

ومن جانب آخر فإن للتلوث تأثيرًا مشهودًا على الجانبين النفسي السلوكي والعقلي الذهني المعرفي. ومن أكثر الأمثلة التي تُضرب منذ عقود لإثبات واقعية هذا البُعد لتلوث الهواء هو عنصر الرصاص الذي كان من مكونات وقود السيارات ودهان المنازل وأنابيب مياه الشرب، حيث أكدت الأبحاث أن الرصاص يتراكم في عظام الإنسان وينكشف تأثيره على عدة مظاهر، منها ارتفاع نسبة الرصاص في الدم، ومنها انخفاض مستوى الذكاء عند الأطفال، وإصابة الشباب بسلوكيات منحرفة كارتكاب الجرائم والميل نحو العنف والقيام بأعمال الشغب. كما أفاد عدد من الدراسات علاقة تلوث الهواء بسعادة الإنسان وشعوره بعدم الارتياح والقلق والاكتئاب، وبخاصة عند ظهور السحب الصفراء البنية اللون أو ما يُعرف بالضباب الضوئي الكيميائي التي تمنع الناس من الظهور من منازلهم وممارسة الأنشطة خارج المنزل وتصيبهم بالخوف والهلع. وعلاوة على ذلك كله فقد أفادت الأبحاث بأن هناك علاقة وطيدة بين تعرض الإنسان لسنوات طويلة لتلوث الهواء وإضعاف قدراته العقلية وإمكاناته المعرفية ومهاراته اللغوية والرياضية.

وقد أَدركتْ مجموعة من علماء الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولية التلوث في التعريض الشامل لجميع جسم وعقل ونفس الإنسان للأسقام والعلل، فنشروا ورقة علمية في مجلة «الصدر» المعروفة في فبراير من العام الحالي تحت عنوان: «تلوث الهواء والأمراض غير المعدية»، والورقة من جزأين، الأول حول التأثير المدمر لتلوث الهواء، والثاني عن تلوث الهواء وأعضاء الإنسان. 

ولذلك كلي أمل أن يدرك جميع الأطباء والناس دور التلوث في الفتك بالإنسان عضويا، وعقليا، ونفسيا، وإسهامه المشهود في تدمير صحته وإصابتنا بالكثير من الأمراض والعلل، كما أتمنى من وزارة الصحة إدماج البعد البيئي في جميع القرارات الصحية التي تتخذها، فمن دون حماية البيئة لا يمكن حماية ووقاية الإنسان من الأمراض وتحقيق استدامة الأمن الصحي للمجتمع البحريني. 

 bncftpw@batelco.com.bh

 

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news