العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٧٠ - الخميس ٢٧ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢٤ شوّال ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

إنما الناس سطور.. لكن بماء!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ٢٦ مايو ٢٠١٩ - 01:00

تميز شعراء المهجر بالحس الشعري العميق، والقدرة الكبيرة والمبدعة على اختيار الألفاظ المعبرة أدق تعبير عما يجيش في قلب الشاعر من مشاعر وأحاسيس وقد تتلخص فلسفة الشاعر ونظرته إلى الحياة في بيت واحد من الشعر يغنيه عن باقي أبيات القصيدة ودواوينها، ولكن الوحدة العضوية في القصيدة تجعل ثمارها اليانعة والشهية هي ما أفضت إليه من فلسفة يتبناها الشاعر، ويسعى إلى تكريسها في حياته، واليوم حديثنا سوف يدور حول قصيدة «أعطني الناي» لشاعر المهجر جبران خليل جبران الذي ضمنها الكثير من المعاني الراقية والعميقة والحساسة، وقبل الحديث عن البيت الذي ضمنه الشاعر فلسفته في الحياة والإنسان، سوف نذكر بعض أبيات هذه القصيدة التي غنتها الفنانة فيروز بأداء رائع أضاف إلى أبيات القصيدة أبعادًا جديدة، وصور المعاني في صور حسية راقية، وسوف أختار بعض أبيات من القصيدة، وأحاول أن أقرأ ما توحيه من معان. يقول الشاعر:

أعطني الناي وغن فالغنا سر الخلود

هكذا يعتقد الشاعر، وسوف يحاول أن يُعَبِّر عن مكنونات قلبه بما توحيه إليه الألفاظ التي اختارها للتعبير عما يجيش في خواطره وفي قلبه.

الشاعر يريد أن يؤكد أن الحياة أبسط مما يتصورها الإنسان، وأجد تصويرًا لهذه الحياة في قوله تعالى: (...حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) يونس/24.

ما يحاول الشاعر التعبير عنه في أبيات قصيدته عَبَّرت عنه الآية الجليلة في بيان لا يبلغه أي بيان، فالحياة قد يُخدع بها كثير من الناس، وخاصة عندما تأخذ زخرفها وتتزين لعشاقها، والمتهافتين عليها، وهي كغاية لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة، ولكنها كوسيلة وكمطية، هي خير وسيلة، وخير مطية لبلوغ الغاية، بل هي الوسيلة الوحيدة التي لا يمكن للإنسان أن يبلغ الآخرة إلا عن طريقها. يطرح الشاعر العديد من التساؤلات الفلسفية إلى من يتوجه إليهم بالخطاب، وقد يكون يخاطب نفسه التي بين جنبيه، ويتصورها إنسانًا آخر يطرح عليه هذه التساؤلات، ويشكو إليه همه، فربما يجد عنده ما يزيح عنه الهم الجاثم على صدره، ولنستمع إلى الشاعر المهموم وهو يقول:

هل اتخذت الغاب مثلي منزلاً دون القصور

فتتبعت السواقي وتسلقت الصخور

هل تحممت بعطر وتنشفت بنور

هذه الصورة النفسية البالغة حدًا عظيمًا من الروعة والإبداع حيث يوظف الشاعر المبدع الألفاظ توظيفًا رائعًا حين يستدرج الإنسان المهموم بالبحث عن السعادة، يستدرجه ليكشف له عن حقيقة الحياة الدنيا، وأنها مهما أخذت زخرفها وازينت، فإنها حياة أجلها قصير، ومتعها مهما عظمت فهي زائلة، وصدق الله العظيم: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) آل عمران/185.

ومهما تحممت أيها الإنسان بعطر أو تنشفت بنور،  فستبقى الحياة هي الحياة القصيرة المشوبة لذاتها بالألم والحسرة والندامة.. إنها حياة وصفت بأنها دنيا، أي هي في المرتبة الدنيا بين الحيوات، يقول تعالى: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ  (26)) سورة الفجر.

وإذا كانت الحياة التي نعيشها، ونتمرغ في ملذاتها ليست هي الحياة التي يتمناها الإنسان يوم القيامة ويتحسر عليها، فأي حياة تقصدها الآية الجليلة المباركة؟ إنها الحياة الباقية التي لا تزول عن الإنسان بالتحول إلى غيره، ولا يزول الإنسان عنها بالموت، فهي حياة خالدة له، وهو خالد لها، قال سبحانه وتعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلاً ظليلا) النساء/57.

الشاعر يتحدث عن متع سهلة المنال، وهي متاحة حتى لمن لا يملك قصورًا وجنات على الأرض، فيكفيه أن يقوم بجولة في الغاب، وهي جولة متاحة للقادر عليها ولمن لا يقدر عليها لقلة ماله، أو ندرة ما يملك من قصور، يقول الشاعر:

هل جلست العصر مثلي بين جفنات العنب

والعناقيد تدلت كثريات الذهب

هل فرشت العشب ليلاً وتلحفت الفضا

زاهدًا فيما سيأتي ناسيا ما قد مضى

من يمنعك من أن تفعل هذا وأنت في الغاب وحدك؟ 

إن من يزهد في الدنيا هو وحده المالك لها، فهي تحاول أن تغريه، وكلما صدها عنه ازدادت إغراءً له، هي تحاول أن تنسيه وجوده، والمصير الذي سوف يصير إليه، وعند الموت تزال الستر، وتنكشف الحقائق، وبعد أن كان الإنسان مغرورًا بذاته، متعاليا على غيره، ويظن أنه قد ملك الدنيا إذا بهاتف يقول له: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) سورة ق/22، وكأن الإنسان كان يعيش حلمًا طويلاً هو عمره الذي عاشه، وظن أنه يتمتع حقًا بملذاته، ويصدم بالحقيقة، وهي إنك واهم أيها الإنسان، فأنت كنت في غفلة من هذا كله، فتنبه إلى المصير الذي أنت صائر إليه، وصدق الله العظيم: (قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) الجمعة/8.

إنها الحقيقة الكبرى التي يحاول بنو آدم الفرار منها، وخاصة العصاة منهم، ولكن هيهات.. هيهات أن يتحقق لهم ما يتمنون، لقد تحدث القرآن الكريم عن اللقاء العظيم الذي سوف يتحقق يوم القيامة، يقول سبحانه وتعالى: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) الحج/2، ويكتشف الإنسان حقيقة ذاته التي نبهنا القرآن إليها، واستلهم الشاعر حقيقتها قصد أو لم يقصد من القرآن الكريم، يقول الشاعر المبدع:

أعطني الناي وغن وأنت داء ودواء

إنما الناس سطور كتبت لكن بماء

هذه هي خلاصة فلسفة الشاعر الفيلسوف، أن الناس ينطوون على الخير والشر، فمنهم من يُعلي جوانب الخير فيه، ومنهم من يتبع نفسه هواها، ورغم ذلك، فالناس مجرد سطور كتبت لكن بماء لا بقاء لذواتهم، ولكن تبقى آثارهم إن خيرًا، فخير، وإن شرًا فشر. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news