العدد : ١٥٠٦٣ - الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٣ - الخميس ٢٠ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ شوّال ١٤٤٠هـ

الاسلامي

عمق التعبير وجمال التصوير /17 ...«كما تأكل الأنعام»...

بقلم: عاطف الصبيحي

الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠١٩ - 10:52

 

عندما أوحى الله رسالته إلى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أنزلها «قرآنًا عربيًا» والله سبحانه وتعالى يقول في الآية 97 من سورة مريم «فإنما يسرنّاه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قومًا لدًّا» تسهيله وتيسيره على لسان الرسول الكريم بقدرة الله، لذا فما من لغة تستطيع أن تُطاول اللغة العربية في شرفها، فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله الخاتمة والعالمية، وليست منزلتها الروحية هي وحدها التي تسمو بها على ما أودع الله في سائر اللغات من قوة وبيان، فهي ذات سِعة لأنها لغة مُعربة وليست مبنية، فالأمر فيها واضح، ويقول دارسو اللغات إن من يتتبع جميع اللغات لا يجد فيها لغة على منوال العربية ولا تضاهيها لغة، وإذا ما أضفنا إليها رقة التجويد وروعة الصوت في التلاوة، فإنها ثروة تزيدها بهاءً ورونقًا. 

لغتنا تُزينها الدقة ووجازة التعبير، وقد نلمس هذا وكأنه أمر محسوس من خلال آية العنوان، إذ يقول تبارك وتعالى في الآية 12 من سورة محمد« إنّ الله يُدخل الذين آمنوا جنات تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام» هنا تتناسق المعاني والأغراض والصور والإيجاز وعند التلاوة يأتي جمال الصوت، وتتشكل على أثر فهم الآية حالة نفسية أيضًا، فهذه مقارنة بين فريقين، تلقوا البلاغ على قدم المساواة، لكن فريق سمع وعقِل ففاز ونجا، والفريق الآخر آثر أن يكون مثل الأنعام «الدواب» اقتصرت همته على الطعام والمُتع ولا شيء غيره، فأهدر عُمره بين فرجه وبطنه وما يستصحبان من ملذات، حتى آتهم اليقين وقد قُضي الأمر ولا مفر من مواجهة الواقع، فهل في تشبيههم بالأنعام من غرابة؟! يحضرني قول لأحد المُفكرين الغربيين أجهلُ قائله «تمتاز العربية بما ليس له ضريب من اليسر في استعمال المجاز»، والمجاز منشور في كل القرآن الكريم،

 وفي إطار الكنايات والاستعارات التي امتازت بها العربية والمجازات والتشبيهات التي رفعت لغة القرآن العربية كثيرًا فوق كل لغة بشرية أخرى، وإكمالا للصورة السابقة، نذهب إلى الآية 179 من سورة الأعراف« ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يُبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أُولئك كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا» يعود البيان القرآني ليُقدم لنا صورة أُخرى لمن لا يستعمل حوّاسه للاهتداء إلى سواء السبيل، هي صورة بليغة تجعل العرق يتفصد من الجبين خجلا وحياءً، وكأنه كفر بنعمة الحواس، فأصبح على المنهج الحيواني يسير بلا هدى ولا طريق مُنير حتى يلقى المصير الأليم، جهنم وبئس المصير لمن يُقْصر عقله على صغائر الأمور وتجرفه الأيام من حيث لا يدري وإذا به في مواجهة مع مصيره الذي لا يسُّر الناظرين ولا السامعين.

وللغة خصائص جمّة في الأسلوب والنحو ليس من المستطاع أن يُكتشف لها نظائر في أي لغة أخرى، وهي مع هذه السعة والكثرة فإنها أشد اللغات اختصارًا في إيصال المعاني، وفي النقل إليها، يبيّن ذلك أن الصورة العربية لأيّ مثل أجنبيّ أقصر في جميع الحالات، وقد قال الخفاجي عن أبي داود المطران - وهو عارف باللغتين العربية والسريانية - إنه إذا نقل الألفاظ الحسنة إلى السرياني قبُحت وخسّت، وإذا نُقل الكلام المختار من السرياني إلى العربي ازداد طلاوةً وحسنًا، وإن الفارابي على حقّ حين يبرّر مدحه العربية بأنها« من كلام أهل الجنّة، وهو المنزّه بين الألسنة من كل نقيصة، والمعلّى من كل خسيسة، ولسان العرب أوسط الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا» من كتاب «الفصحى لغة القرآن - أنور الجندي» 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news