العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

العدد : ١٥١٥٢ - الثلاثاء ١٧ سبتمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٨ محرّم ١٤٤١هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

مخاوف تركية مشروعة ولكن!

أثار دعم الولايات المتحدة الأمريكية لأكراد سوريا وتبنيها توجهاتهم الانفصالية وابتعادهم عن مركز القرار السياسي والسيادي في دمشق، حفيظة وغضب تركيا التي وجدت في هذا الموقف الأمريكي خطرا على أمنها القومي واعتبرت أن و«حدات الدفاع عن الشعب الكردي» في سوريا ليست سوى امتداد لحزب العمال الكردستاني التركي الذي تصنفه تركيا كمنظمة «إرهابية» الأمر الذي ينطبق على موقفها وتصنيفها لهذه الوحدات الكردية السورية، الموقف التركي له ما يبرره من أسباب، ذلك أن أنقرة نفسها تعاني من صراع دموي مستمر منذ عدة عقود مع حزب العمال الكردستاني التركي وأن أي تشجيع لأكراد الجوار، سواء في سوريا أو في العراق، من شأنه أن ينعكس على أوضاعها الداخلية ويشجع الأكراد الأتراك على التمسك بمطالبهم التاريخية وأخطرها الانفصال عن الوطن الأم.

رغم الامتعاض والرفض التركي للموقف الأمريكي المشجع والداعم لأكراد سوريا، فإن موقف الجانبين، الأمريكي والتركي، يلتقي حول عدة توجهات، منها إضعاف الدولة السورية وتفتيت نسيج الوطن الاجتماعي، وتهديد الأمن الوطني السوري من خلال دعم وتبني مواقف جماعات سياسية، من هنا يمكن القول إن الموقف التركي الرافض لتبني واشنطن لأكراد سوريا ليس له علاقة على الإطلاق بالمصلحة الوطنية السورية، ولا بوحدة وسيادة أراضي الجمهورية العربية السورية، فتركيا التي اشتاطت غضبا من الموقف الأمريكي هي نفسها مارست الدور نفسه مع جماعات سياسية وعسكرية لا تختلف توجهاتها عن توجهات الأكراد، كما هو الحال مع الوضع القائم في محافظة إدلب السورية في الوقت الراهن.

فتركيا تتحمل نصيبا كبيرا جدا من الأوضاع التي آلت إليها سوريا وإسهاماتها في إضعاف سلطة الدولة السورية على كامل حدود الدولة الجغرافية، فأكراد سوريا الذين تتهمهم أنقرة بــ«الإرهاب» وأنهم جزء من حزب العمال الكردستاني التركي، وتهدد بالقضاء عليهم، هؤلاء حتى الآن لم يهددوا الأمن القومي التركي ولم يطلقوا رصاصة واحدة تجاه القوات التركية التي اجتاحت الأراضي السورية واحتلت أجزاء واسعة من الشمال السوري تحت حجج واهية، الأكراد اكتفوا فقط بالتصدي للجيش التركي حين دخل إلى بعض المناطق التي تقع تحت سيطرتهم بعد خروجها عن سلطة الدولة السورية.

التهديد الذي تتحدث عنه تركيا من جانب الأكراد السوريين ليس موجودا من الناحية العملية، فالأكراد السوريون، أيا كان الموقف من مطالبهم، يتحركون في إطار الوضع السياسي الداخلي السوري، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن تركيا وغيرها من الدول يتحملون مسؤولية كبيرة عما آلت إليه الأوضاع في سوريا وبروز المطالب الانفصالية لبعض المكونات العرقية للشعب السوري، أضف إلى ذلك، وهنا يكمن التناقض التركي الصارخ، أن المعارضة التركية لأي تحرك كردي داخل سوريا يقابلها تشجيع وترحيب من جانب أنقرة بالوضع الشاذ في محافظة إدلب السورية التي شجعت ودعمت تركيا خروجها، حتى الآن، عن سلطة الدولة السورية، بل وسهلت إخراج العملة الوطنية السورية من أسواق هذه المحافظة والاستعاضة عنها بالليرة التركية كعملة للتعاملات التجارية في المحافظة السورية.

من حق تركيا أن تخشى على أمنها الوطني وأن تدافع عنه وفقا لما نصت عليه جميع القوانين والشرائع الدولية، فالأمن الوطني قضية مقدسة لا يجوز بأي حال من الأحوال التهاون حيالها والمساومة عليها، ومن نفس المنطلق، فإن من يحرص على أمنه الوطني ومستعد للدفاع عنه، عليه ألا يستبيح أمن وسيادة الآخرين، فهؤلاء لهم أيضا الحق في الدفاع عن أمنهم الوطني، هذه المعادلة غائبة عن التفكير السياسي التركي، فأنقرة التي أقامت الدنيا ولم تقعدها بحجة «تهديد» الأكراد السوريين لأمنها الوطني، نجدها تستبيح الأمن الوطني السوري بحجة حماية أمنها الوطني ومنع «التهديد» الذي يشكله الأكراد عليها.

لقد نسي، وربما يتناسى القادة الأتراك أن سياستهم تجاه الأزمة السورية كانت أحد الأسباب التي عرضت الأمن الوطني السوري والسيادة السورية لأضرار فادحة وجلب إلى المنطقة التهديدات الخطرة والجادة عبر دعمها واحتضانها للجماعات المسلحة المختلفة، بما في ذلك الإرهابية منها مثل جبهة النصرة التي تتخذ من محافظة إدلب وكرا لأنشطتها، ليس هذا فحسب، بل إن السياسة التركية في سوريا تسببت أيضا في تهديد الأمن الوطني التركي بعد أن استهدفت بعض الجماعات الإرهابية العاملة في سوريا، الأمن التركي وقامت بارتكاب جرائم إرهابية راح ضحيتها عشرات المواطنين الأتراك الأبرياء وتسببت في إلحاق الأضرار بالاقتصاد التركي وخاصة القطاع السياحي الذي يشكل أحد أهم مصادر الدخل القومي لهذا البلد.

فعدم استقرار سوريا وعودة الدولة السورية إلى ممارسة سلطتها وسيادتها على جميع الأراضي والتخلص من الجماعات الإرهابية المختلفة، ليس تهديدا يقتصر على الأمن الوطني السوري، بل سيبقى بالمرصاد للأمن الوطني التركي، كما هو يشكل تهديدا أيضا لأمن كل من العراق ولبنان. أما قضية الأكراد السوريين فهو شأن سوري داخلي والدولة السورية هي المسؤولة عن وقف أي تهديد قد يصدر من جانبهم لدول الجوار، وخاصة تركيا التي تتعلل بورقتهم للتشبث بوجودها العسكري والسياسي فوق أجزاء كبيرة من الأراضي السورية.

قبل اندلاع الأزمة السورية، وما ألحقته من أضرار بأجهزة الدولة السورية المختلفة، وخاصة الأجهزة العسكرية والأمنية المختلفة، قبل هذه الأزمة لم تشك تركيا أي تهديد من الأكراد السوريين ولا مع أكراد العراق، بل كان صراعها الدموي مع حزب العمال الكردستاني التركي وحتى هذا الصراع كان على وشك الانتهاء بعد إعلان الرئيس التركي عن سياسة تصفير المشاكل والأزمات، لكن انتكاسة سياسية بين الجانبين أدت إلى انهيار هذا الأمل، نعم يمكن أن يشكل الأكراد السوريون خطرا على تركيا إذا باحوا بنواياهم الانفصالية، ومع ذلك فهذا الخطر لن يقتصر على الأمن الوطني التركي، بل على وطنهم الأم وعلى الجيران الآخرين وهنا لن تجد تركيا وحدها في ميدان المواجهة.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news