العدد : ١٥١٢١ - السبت ١٧ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢١ - السبت ١٧ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

شرق و غرب

صورة العالم بعد أمريكا

دونالد ترامب

بقلم: نيكولا بافاريز 

الثلاثاء ٢١ مايو ٢٠١٩ - 11:02

 

بعد مرور تسعين سنة كاملة على انهيار الاقتصاد الأمريكي والعالمي في سنة 1929 ها هو الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب يعلنها بدوره حربا تجارية وتكنولوجية ضد الصين، مع السعي إلى تدمير المؤسسات والقواعد التي ظلت تتيح التعاون من أجل مواجهة أي صدمات رأسمالية عالمية. 

بعد مرور مائة سنة على إبرام معاهدة فرساي في فرنسا ها هو الرئيس دونالد ترامب يشرف بنفسه على مسار انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من العالم، تاركا العالم لقمة سائغة لأعداء الديمقراطية. فبالتوازي مع الإغلاق الداخلي للحكومة الأمريكية في ظل حالة الاستقطاب الحادة بين الجمهوريين والديمقراطيين هناك أيضا إغلاق دبلوماسي واستراتيجي. 

لا شك أن الرئيس ترامب قد أصاب عندما تحدث عن نزعات الهيمنة التي تتسم بها السياسات التي تنتهجها الصين في عهد الرئيس الصين الحالي شي جين بينغ غير أن السياسات التي يتبعها الرئيس دونالد ترامب تصب في نهاية المطاف في مصلحة الصين بالدرجة الأولى. 

لقد اتخذ الرئيس ترامب قرارا يقضي بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي كما أنه ظل يطلق هجمات تجارية ضد اليابان وكوريا الجنوبية، ما يعني التخلي عن السوق الآسيوي - الذي يمثل 60% من الناتج الخام العالمي - في الصين. لقد استغلت الصين الفرصة وراحت تستغل الفراغ الذي خلفه الانسحاب الأمريكي، فضلا عن أنها قد أطلقت ما لا يقل عن 900 مشروع متنوع ضمن «طريق الحرير» في نسخته الحديثة.

ينطبق نفس الأمر على منطقة الشرق الأوسط. ففي يوم 19 ديسمبر 2018 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره سحب القوات الأمريكية من سوريا من طرف واحد، ما يعطي فرصة لبقايا تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام «داعش».

تسلم الولايات المتحدة الأمريكي بانسحابها من طرف واحد من سوريا مفاتيح الشرق الأوسط إلى روسيا وتركيا وإيران، إضافة إلى الصين التي تواصل تعزيز وجودها الاقتصادي والتجاري في المنطقة الممتدة من الشرق الأوسط والشمال بعد أن تغلغلت بشكل كبير في عمق دول القارة السمراء. 

يتناقض قرار الانسحاب الأحادي تناقضا صارخا مع ما أعلنه الرئيس دونالد ترامب من عزم على الحيلولة دون بناء إمبراطورية شيعية تمتد من اليمن إلى لبنان، مرورا بالعراق وسوريا. في الحقيقة فإن إيران قد استفادت كثيرا من الأخطاء السياسية والاستراتيجية التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط والخليج. 

لا شك أن تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن الحلفاء المشاركين في سوريا يثير الكثير من الشكوك حول التزامات واشنطن في العالم، وخاصة بالنسبة إلى فرنسا التي تلعب دورا كبيرا في هذا التحالف، أو الأكراد الذين لعبوا أيضا دورا كبيرا في إلحاق الهزيمة بتنظيم «داعش» في العالم. 

بعيدا عن التصدي للنزعات الامبريالية الروسية، وتحت غطاء الحرب الباردة الجديدة لا يزال الرئيس دونالد ترامب يواصل سياساته المقربة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

لا شك أن حرارة اللقاء الذي تم بين الرئيسين في شهر يونيو 2016 في هلسنكي تتواءم مع إحجام الإدارة الأمريكية الراهنة عن فرض أي عقوبات على روسيا التي استولت على ثلاث سفن أوكرانية في مضيق كيرتش، تمهيدا لفرض سيطرة موسكو على بحر آزوف. 

يوشك الرئيس دونالد ترامب أن يحقق ما كان الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين يحلم بتحقيقه وهو تفكيك الحلف الأطلنطي، الذي يمثل مفتاح الأمن في أوروبا منذ سنة 1949. فقد عبر عن رغبته أكثر من مرة في اتخاذ قرار يقضي بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من هذا التحالف العسكري الذي نشأ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. 

ذكر المحللون السياسيون أن من الأسباب التي دفعت دونالد ترامب إلى إقالة وزير دفاعه جيمس ماتيس رفضه تقويض التحالف العسكري الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. لقد ظل الحلف الأطلنطي يمثل منذ نشأته عقب نهاية الحرب العالمية الثانية (1939-1945) العمود الفقري للغرب والدفاع عن النظم الديمقراطية. 

تزامن الحديث عن تقويض استقرار الحلف الأطلنطي مع الانتقادات التي وجهها دونالد ترامب إلى دول الاتحاد الأوروبي واعتبر أنها عدو للولايات المتحدة الأمريكية رغم أنها تعتبر خير حليف لبلاد العم سام على مدى العقود الماضية. 

لم يتوان الرئيس ترامب أيضا في التعبير عن تأييده لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يصب في مصلحة روسيا التي تريد تقويض الديمقراطيات الأوروبية ووضعها تحت رحمتها.

صحيح أن الرئيس دونالد ترامب لا يمثل صدفة غير أنه لا يعدو أن يكون مجرد قوس في السياسة الأمريكية. يعتبر المحللون أن هذا المنحى الذي أخذته الولايات المتحدة، من سياسات قومية وحمائية ستكون له آثار كبيرة على المدى البعيد، في عالم متعدد الأقطاب، فقدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية دورها القيادي الفاعل.

لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تمثل عمادا للاستقرار بقدر ما هي عامل من العوامل التي تهدد تقويض الاستقرار. لقد حان الوقت كي تدرك النظم الديمقراطية، خاصة منها أوروبا، العواقب الوخيمة التي قد تنجم عن انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما سيترك العالم من دون قيادة ويفتح الباب على مصراعيه أمام أعداء الحرية السياسية في العالم. 

في ظل الكتل الإقليمية التي تمخضت عن تحولات العولمة، فقد بات يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يعيد التفكير في وضعيته من حيث سيادته التجارية والتكنولوجية والمالية حتى لا تظل الدول الأوروبية تضطر إلى التكيف دائما مع التداعيات الناجمة عن المواجهة المتنامية ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

لقد بات يتعين على الاتحاد الأوروبي أيضا أن يعمل على تعزيز منظومته الأمنية الذاتية من أجل بناء منظومة استراتيجية مستقلة، وتستجيب لمتطلبات المرحلة المستقبلية القادمة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news