العدد : ١٥٢٣٦ - الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

العدد : ١٥٢٣٦ - الثلاثاء ١٠ ديسمبر ٢٠١٩ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤١هـ

شرق و غرب

أي مستقبل للنظام الثيوقراطي في إيران؟

إيكونوميست

الثلاثاء ٢١ مايو ٢٠١٩ - 11:01

في الظروف الطبيعية حادثة اغتيال أحد الملالي في إيران من شأنها أن تثير موجة واسعة من السخط والاستنكار والتنديد. يوم 27 ابريل 2019 أقدم أحد أبطال رياضة كمال الأجسام على قتل رجل الدين مصطفى قاسمي في مدينة همدان، الواقعة في غرب إيران. 

ما إن سرى خبر حادثة القتل حتى أصبح أكثر من 100 ألف شخص يتابعون هذا الرياضي على حسابه على شبكة الانستغرام. راح أنصار هذا الرياضي يطلقون التغريدات ويسخرون من المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي فيما تتمتم النسوة في معرض تعليقهن على حادثة القتل: «رجل دين أقل» في جملة تختزل مزاج الشارع الإيراني المتوتر في ظل العقوبات التي ضيقت الخناق على الصناعة النفطية الإيرانية. 

هكذا تجسد الغضب الشعبي الموجه ضد رجال الدين الملالي الذين يسيطرون على الحكم والذين يديرون اقتصادا إيرانيا في حالة انهيار. فقد ضاق الخناق على سلطات طهران بسبب العقوبات الأمريكية وهو ما أدى إلى انهيار العملة الإيرانية فيما أصبح معدل التضخم يناهز 40% وانهارت الرواتب التي يتقاضاها الموظفون الإيرانيون. أما البضائع الأساسية مثل لحوم الدواجن والملابس فقد أصبحت من الكماليات. 

توقع صندوق النقد الدولي في أحدث تقاريره الدورية أن يتراجع معدل النمو الداخلي الخام بنسبة 6% هذه السنة. أما رجال الدين الملالي الذين بنوا نظاما ثيوقراطيا وظلوا يسيطرون على مقاليد الحكم على مدى أكثر من ثلاثة عقود فإنهم لا يملكون أي مخرج من هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة. 

يقول صادق .ح من جامعة (Mofid) التي يوجد مقرها في مدينة قم المقدسة عند الشيعة «نحن نقترب اليوم بسرعة من نقطة التحول». في الأثناء أصبح الكثير من رجال الدين الملالي يشككون في جدوى نظام ولاية الفقيه. 

أصبح الكثير من رجال الدين الملالي ينأون بأنفسهم عن نظام طهران الذي يسيطر على أغلب مفاتيح الثروة في إيران من خلال إمبراطوريته الاقتصادية التي أنشأها. إسماعيل أزاري نجاد رجل دين فقير يقود سيارته بيجو القديمة ويذهب إلى القرى المنسية ويوزع الكتب وقصص الأطفال. أما الآخرون فهم يتجرؤون على تحدي الملالي الذين يسيطرون على مقاليد الحكم. 

أما رجل الدين سيد أغاميري الذي يعتبر أن السلطة الزمنية -أي السياسة - تنطوي على الفساد، فقد ازدادت شعبيته بعد أن مثل أمام إحدى المحاكم التي يسيطر عليها الملالي. التقى الحكماء من كبار السن وعقدوا عدة لقاءات مع الإصلاحيين وقد أصبح الكثير منهم ينظرون إلى العراق المجاور الذي يوجد على بعد 675 كم عساهم يستلهمون نموذجا مختلفا من العلاقة بين المسجد والدولة في مدينة النجف. 

في ظل حكم صدام حسين كانت الحوزات العلمية في النجف في العراق تستقطب بضع مئات من الطلاب فقط. أما في مدينة «قم» فإن إيران ظلت تتولى تمويل برامج تدريب أكثر من 110 آلاف رجل دين من الملالي. بعد الغزو الأمريكي والإطاحة بنظام صدام حسين تنامى دور النجف الذي أصبح يستقطب ملايين الحجاج الشيعة سنويا. هناك يوجد أيضا رجل الدين علي السيستاني الذي يتخذ من مدينة النجف مقرا لحوزته العلمية. 

يدعو السيستاني إلى الفصل بين المسجد والدولة وينصح رجال الدين الملالي إلى عدم السعي لتولي مقاليد الحكم أو ممارسة السلطة السياسية. يعتبر علي السيستاني من أهم المراجع الدينية الشيعية وقد وصل نفوذه الفكري إلى مدينة قم. ففي شهر ابريل الماضي اعتبر رجل الدين المحافظ في مدينة قم آية الله عبدالله جواد أمولي أن نوعية التعليم الديني في مدينة النجف أفضل من التعليم في مدينة قم. 

أصبح الكثير من رجال الدين الملالي ينتقلون إلى مدينة النجف، بمن فيهم علي الخامنئي، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله الخامنئي. يقول عباس كاظم كاتب سيرة علي السيستاني: «إذا كنت تعيش تحت القبضة الحديدية للمؤسسة الدينية الإيرانية، التي تتحكم في طريقة تفكيرك ولباسك، فإنك ستتطلع إلى مدينة النجف، حيث الحرية الفكرية». 

في شهر مارس 2019 أصبح حسن روحاني أول رئيس إيراني يزور مدينة النجف في العراق وقد التقى هناك رجل الدين البارز علي السيستاني. من الناحية الرسمية يدين روحاني بطبيعة الحال بالولاء لعلي خاميني غير أنه كان يريد أن يوظف زيارات إلى النجف ولقاءه بعلي السيستاني من أجل تعزيز مكانته. قال أحد المراقبين إن روحاني بدا وكأنه يلتقي بابا الفاتيكان. 

يعتبر صالح الحكيم وهو رجل دين من مدينة النجف أن مفهوم «ولاية الفقيه يكرس نظام الحكم الديكتاتوري» ويقول: «يجب على رجال الدين في مدينة النجف أن يدعموا المجتمع المدني في إيران بدل تقديم الدعم للنظام الثيوقراطي». 

ينحدر علي السيستاني نفسه من جذور إيرانية فارسية وهو أكثر حذرا في مواقفه، لكنه انتهز فرصة لقائه بالرئيس الروحاني كي يشدد على ضرورة احترام السيادة العراقية وقد اعتبر البعض أن ذلك الكلام كان موجها إلى علي خامنئي يعتبر نفسه المرشد الأعلى لإيران بل ولكل الشيعة. 

يعمل علي السيستاني على توسيع نفوذه في كنف الهدوء، حيث ممثله (وهو صهره) في مدينة قم جواد الشهرستاني جمع التبرعات من أتباعه في إيران ويمول بها شبكة خيرية واسعة تنشط في كامل إيران وتشمل العائلات الفقيرة والمستشفيات. 

يتولى علي السيستاني من خلال شبكته الخيرية دعم ما لايقل عن 49 ألف طالب دين، وهو ما يناهز 49% من إجمالي عدد طلاب الدين في إيران. أما حسن روحاني فإن حكومته أصبحت تعاني من شح في الموارد المالية، وهو ما جعله يخفض من الأموال المقدمة لدعم الحوزات العلمية بنسبة الثلث. 

في ظل العقوبات الأمريكية التي شددت الخناق على نظام طهران، أحكم علي خامنئي قبضته على دواليب الدولة حيث إنه عين في شهر مارس 2019 إبراهيم رئيسي الذي يعتبر من رجال الدين المتشددين وقد خسر في الانتخابات الرئاسية في مواجهة حسن روحاني رئيسا للسلطة القضائية، ما أثار الكثير من ردود الأفعال نظرًا إلى ماضي هذا الرجل.

 تولى علي خامنئي أيضا تعيين رجل دين آخر متشدد على رأس مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني، وهو أحد أجهزة الحكم ومن أهم الأدوات التي يستخدمها علي خامنئي في السيطرة على دواليب السلطة. 

أصبح المنظرون من رجال الدين المحافظين يحصلون على مساحة أكبر للظهور على شاشات التلفزيون ويوبخون رجال الدين الآخرين الذين فقدوا إيمانهم بجدوى نظام ولاية الفقيه. اتسع نطاق هذه القبضة الحديدية حيث إن رجال الدين المشككين في جدوى نظام ولاية الفقيه تقطع عنهم الأموال الحكومية أو يعزلون من عملهم بالتدريس في مدينة قم. بل إن بعض رجال الدين قد تعرضت مكاتبهم الخاصة للنهب. أما رجال الدين الذين يتجرؤون أكثر من غيرهم على «الإساءة لنظام ولاية الفقيه» فإنهم يجرجرون إلى قاعات المحاكم أو يوضعون قيد الإقامة الجبرية. 

يعتبر كبار العلماء في مدينة قم أكثر تبحرا من علي خامنئي وقد بدأوا يعبرون عن مواقفهم المنتقدة أو يتحدثون تلميحا. في الحقيقة فإن هذا الأسلوب الزجري الذي يعتمده علي خامنئي في طهران هو الذي أسهم في تسليط الضوء على السيستاني ودروسه ومواقفه وآرائه في مدينة النجف. 

يقول المنشقون إن علي خامنئي يعامل رجال الدين كموظفين لدى الدولة بدل أن يسهم في الارتقاء بمكانتهم. يقول محسن كاديفار، وهو عالم دين من مدينة قم انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية: «لقد وصلت الحملة التي تستهدف رجال الدين في الجمهورية الإسلامية حدا غير مسبوق لم نشهد له مثيلا حتى في ظل حكم الشاه». 

يبلغ السيستاني الثامنة والثمانين من عمره فيها أدرك علي خامنئي الثمانين ويقال إن كليهما مصابان بمرض السرطان. لا شك أن أتباعهما يتساءلون بإلحاح عما سيحدث بعدهما. فقد بدا على مدى الأعوام الماضية وكأن رجال الدين في قم هم الذين يحددون القيادة الدينية في مدينة النجف في العراق. يبدو أن الصورة قد انعكست إذ أصبح الحديث يدور في بعض الأوساط التي تقول إن علماء الدين في النجف هم الذين سيحددون مستقبل النظام الثيوقراطي الإكليريكي في إيران.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news