العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥١٢٢ - الأحد ١٨ أغسطس ٢٠١٩ م، الموافق ١٧ ذو الحجة ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

تواطؤ أمريكي مع إسرائيل ضد الفلسطينيين

بقلم: د. جيمس زغبي

الثلاثاء ٢١ مايو ٢٠١٩ - 01:15

في الأسبوع الماضي تحدثت في اجتماع لمجلس الأمن الدولي حول «المستوطنات الإسرائيلية». لقد كنت أعرف أن باقي المتحدثين والخبراء والدبلوماسيين سيتطرقون إلى عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية وتأثير الحقوق الإنسانية والاقتصادية على الشعب الفلسطيني والهدف الأساسي الذي يرمي إليه المشروع الاستيطاني والذي يتمثل في القضاء على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًّا وقابلة للحياة. 

لقد ركزت في ملاحظاتي على دور الإدارة الأمريكية في تمكين إسرائيل من المضي قدما في بناء المستوطنات إضافة إلى تواطئها في الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي. قد تبدو مثل هذه اللغة التي استخدمتها حادة لكن عندما نرى غياب أي تحرك فعلي لإيقاف هذا النشاط الاستيطاني الذي ينتهك القانون الدولي ويكرس لانتهاكات حقوق الإنسان ويمثل خطرا واضحا وصارخا للسلام - فإنني أعتبر أنه لا يوجد أي طريقة أخرى يمكن أن نصف بها هذه السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية. 

خلال الخمسين سنة الماضية شهدنا تآكلا تاما في السياسة الأمريكية تجاه الممارسات الإسرائيلية في الأرضي الفلسطينية المحتلة. لقد تعاقبت الإدارات الأمريكية على الحكم في البيت الأبيض في واشنطن وقد ظلت مواقفها تجاه المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تتراوح بين السلبية المبطنة والقبول العلني والصريح. 

عبَّر بعض الرؤساء الأمريكيين عن معارضتهم للمستوطنات الإسرائيلية غير أنهم لم يتخذوا أي إجراءات ملموسة من أجل وقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي. نتيجة لذلك ارتفع عدد المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية من 50 ألف مستوطن في ظل إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر إلى 620 ألفا في الوقت الحاضر. مع ازياد عدد المستوطنين اليهود في الأراضي الفلسطينية المحتلة ازداد تآكل السياسة الرسمية الأمريكية تجاه هذه المسألة الحساسة. 

في سنة 1976 أكدت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيرالد فورد أن اتفاقية جنيف الرابعة التي تحدد سياسة قوة الاحتلال تنطبق تماما على فلسطين. شدد الرئيس جيمي كارتر الذي خلفه في البيت الأبيض أيضا على هذه النقطة، بل إنه طلب من المستشار القانوني في وزارة الخارجية أن يمده بالرأي القانوني حول هذه المسألة وقد أكد هذا المستشار أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الإسرائيلية المحتلة تمثل انتهاكا لاتفاقية جنيف الرابعة. 

انتهى التزام الولايات المتحدة الأمريكية بالقانون الدولي حول المستوطنات في ظل إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريجان. لم يكن ريجان طالب قانون أو سياسة. عندما تثار هذه المسائل في الحوارات التي أجريت معه تجده يتخذ مواقف غريبة يستمدها من أفكار سياسية غامضة.

خلال الأسبوع الأول من وجوده في البيت الأبيض بعد انتخابه سئل عن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة فقال: «فيما يتعلق بالضفة الغربية فإنني أعتقد أن المستوطنات الإسرائيلية الموجودة هناك ليست غير قانونية في ظل القرار الصادر عن منظمة الأمم المتحدة والذي ينص على ضرورة بقاء الضفة الغربية مفتوحة للجميع – العرب والإسرائيليون على حد السواء». 

رغم غرابة ذلك التصريح وغموضه فقد شكَّل أساسا للسياسة الرسمية الأمريكية. خلال الفترة المتبقية له في البيت الأبيض ظل ريجان يتأرجح بين معارضة موقف جيمي كارتر، الذي يعتبر أن المستوطنات غير شرعية، والقول إن هذه المستوطنات تقوض «ثقة العرب في نية إسرائيل التوصل إلى اتفاق للسلام». لقد ألحق دونالد ريجان في نهاية المطاف ضررا كبيرا بالسياسة الأمريكية. لم يعد أي رئيس أمريكي بعده يعتبر أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعية. 

خلف جورج بوش الأب رونالد ريجان في البيت الأبيض وقد أبدى معارضة قوية للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل إنه أوقف ضمانات القروض التي منحها الكونجرس الأمريكي لإسرائيل. رغم ذلك لم يصرح جورج بوش الاب أبدا بأن المستوطنات الإسرائيلية غير قانونية، واكتفى بالقول إنها تمثل «عقبة أمام السلام». 

ورث الرئيس بيل كلينتون اتفاقيات أوسلو وواصل نفس النهج والمقاربة في موقفه من المستوطنات الإسرائيلية غير أنه لم يعتبر يوما أنها غير شرعية. لقد اكتفى بالقول إن هذه المستوطنات تمثل انتهاكا لما تنص عليه «اتفاقيات أوسلو» التي تمنع كلا الطرفين من اتخاذ أي إجراء أو الإقدام على أي خطوة من شأنها استباق مفاوضات الحل النهائي. 

عبَّرت إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الابن عن انشغالها بالتوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير أنه اتخذ بعد ذلك سلسلة من المواقف التي أسهمت في تنامي البناء الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فقد تبنى الموقف الإسرائيلي الذي يعتبر أن المستوطنات «قانونية» وأن البؤر الاستيطانية «غير قانونية».

شدد جورج بوش على ضرورة إزالة هذه البؤر الاستيطانية غير أن ذلك لم يحدث كما أنه لم يشر أبدا إلى المستوطنات التي تعتبرها إسرائيل «قانونية». لقد بدأت إسرائيل آنذاك في بناء الجدار الذي يمتد على مسافة 420 ميلا من أجل ضم الكثير من هذه المستوطنات وإعادة رسم الحدود في الضفة الغربية. 

رغم تبنيه ما يسمى «خريطة الطريق – التي تطالب إسرائيل بتفكيك البؤر الاستيطانية التي أقيمت بعد شهر مارس 2001 وتجميد النشاط الاستيطاني – فقد بعث برسالة طمأنة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك آرييل شارون في شهر أبريل 2004 قال له فيها: «في ضوء الحقائق الجديدة على الأرض، بما في ذلك المراكز السكانية الإسرائيلية الرئيسية الموجودة، إذ من غير المعقول أن تكون نتيجة مفاوضات الوضع الدائم عودة تامّة وكاملة إلى خطوط الهدنة لعام 1949. كما أن كل الجهود السابقة للتفاوض حول الحل المبني على قيام دولتين توصّلت إلى ذات الاستنتاج. إنه لأمر واقعي أن نتوقّع أن أي اتفاق للوضع الدائم سيتحقق فقط على أساس تغييرات يتم الاتفاق عليها بصورة مشتركة تعكس هذه الوقائع». 

بذل الرئيس باراك أوباما بعد ذلك جهودا متتالية من أجل وقف التوسع الاستيطاني. في الخطاب الذي ألقاه سنة 2009 في القاهرة قال الرئيس أوباما: «إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تقبل بشرعية الاستمرار في البناء الاستيطاني هذا البناء الاستيطاني يمثل انتهاكا للاتفاقيات السابقة كما أنه يقوض الجهود الرامية إلى تحقيق السلام.. لقد حان الوقت الآن لوقف هذه المستوطنات».

تصدى الإسرائيليون للرئيس باراك أوباما وشددوا على ضرورة السماح بما يسمونه «النمو الطبيعي للمستوطنات» كما زعموا أن إدارة الرئيس جورج بوش الاب قد أذنت لهم بالبناء داخل «الكتل» الاستيطانية التي يفترض أن يتم ضمها لإسرائيل في نهاية المطاف. في بداية الأمر أنكرت إدارة أوباما صلاحية «الوعد» الذي قدمه جورج بوش الابن للإسرائيليين فيما شددت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون على أن الرئيس أوباما «يريد وقف المستوطنات – ليس بعض المستوطنات، أو البؤر الاستيطانية وليس استثناءات «النمو الطبيعية.. هذا هو موقفنا». 

هذا ما عبرنا عنه بكل وضوح. رغم هذا الخطاب فإننا لم نلمس أي تغيير يذكر فيما بدأ المسؤولون العاملون في إدارة أوباما يتحدثون بعد ذلك بالقول إن المستوطنات تمثل «واقعا»، مشددين على أنه سيتم في نهاية المطاف ضمها لإسرائيل على أن يتم التعويض للفلسطينيين من خلال «تبادل الأراضي». 

وجه الرئيس دونالد ترامب رصاصة الرحمة للموقف الأمريكي من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي ظل قيادة ترامب لم تعد المستوطنات تعتبر من المنظور الأمريكي «غير شرعية» أو تمثل «عقبة أمام السلام». عندما أعلنت إسرائيل عن بناء مستوطنات جديدة لم يصدر أي رد فعل من وزارة الخارجية الأمريكية. 

من خلال ما نعرفه حتى الآن، فإننا نتوقع أن تعطي هذه الإدارة الأمريكية الضوء الأخضر كي تحتفظ بكل المستوطنات التي شيدتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة. هكذا يتضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل المسؤولية عن استمرار إسرائيل في انتهاك القانون الدولي. 

رغم الاحتجاجات الماضية الفارغة فقد استمرت الولايات المتحدة الأمريكية في تقديم المساعدات الضخمة والقروض الكبيرة كما أنها تصدت لكل الجهود الرامية إلى معاقبة إسرائيل على السياسات التي انتهجتها. أما الكونجرس وباقي المجالس التشريعية في الولايات فهي تعمل الآن على تجريم حق الأمريكيين في استخدام المقاطعة للتعبير عن معارضتها للاستيطان. لا يوجد أي وصف آخر ينطبق على هذه السياسة الأمريكية سوى أن واشنطن أصبحت شريكة ومتواطئة في الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي. 

يجب على المجتمع الدولي أن يضع استراتيجية جديدة للتعامل مع هذه المسألة الحساسة. لن يحقق استصدار قرار جديد عن الجمعية العامة عن منظمة الأمم المتحدة لشجب إسرائيل أي شيء يذكر على أرض الواقع. أما الخطب التي تعيد التأكيد على أهمية تطبيق القانون الدولي فإنها لن تجدي نفعا. لا يمكن للطرف الفلسطيني، الذي يعاني من ضعف الجانب، أن يتحمل عبء تغيير السياسات الإسرائيلية لأن الفلسطينيين لا يواجهون إسرائيل وحدها. إن الطرف الفلسطيني يواجه أيضا الولايات المتحدة الأمريكية التي أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل كي تواصل سياساتها وممارساتها التعسفية وتفلت من العقاب. 

يتعين اليوم على المجتمع الدولي العمل على وضع استراتيجية دولية جديدة لمواجهة إسرائيل والدعم الذي تحصل عليه من الولايات المتحدة الأمريكية. فالأمر لا يتعلق فقط بحق الانسان الخاص بالشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت نير الاحتلال، والذي يعتبر أكبر متضرر من التغييرات الإقليمية والدولية، بل إن الأمر يتعلق أيضا بمصداقية القانون الدولي والنظام العالمي المتحضر.

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news