العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

العدد : ١٥٠٦٧ - الاثنين ٢٤ يونيو ٢٠١٩ م، الموافق ٢١ شوّال ١٤٤٠هـ

خاطرة

عبدالرحمن فلاح

في حقوق النفس

للنفس في الإسلام على صاحبها حقوق يجب عليه أن يرعاها، وألا يفرط فيها، ومن حقوق النفس أن يسعى «الإنسان جاهدًا» لأن ينمي جوانب الخير فيها، وأن يضيق مساحة الشر في أحوالها.

النفس في الحقيقة واحدة وليست متعددة، التعدد هو في الأحوال، ومن أحوال النفس حالة النفس الأمارة بالسوء التي ترهق صاحبها وهي تدعوه إلى الرذيلة والمعصية، فإذا وافقت استعدادًا في لحظة من لحظات الضعف والاستكانة وقعت النفس في المعصية وصارت نفسًا فاجرة، يقول تعالى: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)» 

والإلهام هنا استعداد للفعل ولعدمه وليس معناه إجبار النفس على أمر لا تريده وقد لا تطيقه، فالنفس مستعدة للطاعة وللمعصية، فإذا ألحت النفس الأمارة بالسوء، وواصلت الوسوسة سقط صاحبها في المعصية، بل وفجر فيها، أي بلغ في المعصية والتلبس بها مدى بعيدا، ولكن هل معنى هذا أن يصاب الإنسان باليأس والقنوط أم أن هناك حالات للنفس تستطيع بها أن تصارع النفس الإمارة بالسوء والنفس الفاجرة فتصرعهما، وخاصة حين تكون للإنسان عزيمة ليستقوي بها على دعوة الشر، وهذه الحالات ليست بعيدة عن النفس الأمارة بالسوء والنفس الفاجرة، فنجد الآيات التي ذكرتها من سورة الشمس أن الله تعالى قد ألهم النفس فجورها وتقواها، أي جعلها مؤهلة للفجور والتقوى على حدٍ سواء، فلا يطغى الفجور على التقوى والعكس صحيح إنما يتحقق ذلك ببذل الجهد والوسع وتوجيه الطاقة إلى هذا الجانب أو إلى ذلك، هنا تأتي الإرادة الإنسانية التي جعلت الإنسان مالكا لها، وهذه الإرادة الحرة عليها أن تغلب جانبا على جانب، فإن انتصرت الإرادة للفسوق صارت النفس فاجرة، وإن انتصرت الإرادة للتقوى صارت النفس تقية وهذا ما ينبئنا به القرآن في قوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)» الشمس.

حين تنتصر الإرادة للتقوى تنتقل النفس من حالة النفس التقية إلى النفس الزكية وهي النفس حين تلازم التقوى فإنها تصبح نفسًا طاهرة مطهرة تضاعف حسناتها، وتمحى سيئاتها.

ومن حقوق النفس على صاحبها ألا يطأ بها مواطن الشك والريبة، وألا يعرضها لغضب المنتقم الجبار سبحانه الذي يسر لنا سبل النجاة من تجليات صفات القهر والجبروت علينا، وذلك حين نهانا عن الاعتداء على الآخرين بغير عذر يرفع عنا الحرج، يقول تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (الأنعام /151). والحق الذي ذكرته الآية والذي يباح فيه قتل النفس هو القصاص حين يرتكب المسلم جريمة قتل عن عمد وسابق ترصد، عندها يكون جزاؤه القتل يقيمه عليه ولي الأمر بناء على حكم شرعي بذلك، فالنهي عن قتل النفس أي النهي عن تعريضها لمثل هذا الموقف الذي تصبح النفس فيه رخيصة عند صاحبها ويكون سلوكه الإجرامي السبب الذي جعلها عرضة لحكم الإعدام أو القصاص والنفس عند الله تعالى غالية، ومن قتل نفسًا من دون ذنب ارتكبه صاحبها فكأنما قتل الناس جميعا حين يصبحون غير آمنين على حياتهم يقول الحق سبحانه وتعالى: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسرائيل أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أو فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ» (المائدة/ 32). انظروا إلى عظمة النفس، وجلال قدرها عند الله تعالى، من يعتدي عليها فكأنما اعتدى على الناس جميعًا ومن حماها أو دافع عنها ووضع لها من التشريعات ما يحفظ لها دماءها وكرامتها فكأنه فعل ذلك بأنفس كثيرة. ومن حقوق النفس عليك ألا تجعلها بارتكاب ما نهاها الإسلام عنه خصمًا للناس جميعًا، فإنك بذلك تغبن حقها، وتفرط في حرمتها وكرامتها، وهذا معلم مكين من معالم الصراط المستقيم دعا الإسلام إليه، وأكد الوفاء له. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالرحمن فلاح"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news